فهرس الكتاب

الصفحة 4739 من 23694

ومعلوم أن سبب النزول هذا، هو خصوص السبب. وتوضيح ذلك: أنَّ سبب نزول هذه الآية الكريمة"خاص"قد أشارت إليه الآيات السابقة، من أمر المجادلين عن الخائنين، ليبرؤوا ساحتهم، محاباةً منهم لأولئك، وتزويرًا للحقائق، وهو أمرٌ يضلِّل سبيلَ القضاء، للحكم بالعدل، غير أن هذا"السبب الخاص"لا يجعل"حكم"الآية الكريمة خاصًا بأمثال هؤلاء، ومن ثَمَّ فلا أثر له على تكييف حكم النص، وشمول معناه، بل يشمل بعمومه اللغوي، كل من عمل سوءًا، إعمالًا للفظ العام الوارد في صدر الآية:"مَنْ"لأنها من ألفاظ العموم، فالمشرع إذْ صاغ النص على هذا النحو من العموم، فإنما أراد أن يُرسي قاعدة عامة، مُغفلًا النظر إلى خُصوص السبب، لأن هذا العموم أضحى مناطًا لتحقيق العدل المطلق، والتخصيص مُخلٌّ به، مُجزِّئٌ لمعنى العدل، وهذا باطل، لأن العدل ـ في الإسلام ـ، مطلق وفي تجزئته منافاة لمراد الشارع، وجنوح إلى الظلم، ومن ثمَّ فلا يجوز تأويله، لما بيَّنا من أن التأويل في هذا المقام، إخلال بمقتضى العدل المطلق الشامل، هذا فيما يتعلق باللفظ العام، كما رأيت.

وكذلك الشأن في"اللفظ المطلق"حيث يجب إجراؤه على إطلاقه ـ كما أسلفنا ـ ولا يجوز تقييده أو تأويله بغير دليل قويّ، لما في ذلك من إخلال بمنطق اللغة التي هي أداة البيان الأولى، فضلًا عن عدالة حكم النص، الذي تعلَّق بذلك الإطلاق.

هذا، واللفظ المطلق هنا، هو كلمة"سوءًا"في قوله تعالى الذي تلونا:"ومن يعمل سوءًا"حيث يرى الإمام أن إطلاق هذه الكلمة في النص القرآني السابق ـ إذ جاءت نكرة ـ يفيد، أن أثر الاستغفار لما كان من السوء صغيرًا أو كبيرًا، عملًا بهذا الإطلاق، وتنفيذًا لإرادة الشارع، والتأويل يضادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت