هذا، ويطلق الأصوليون على هذا النوع من"التأويل"الذي يضطلع بمهمة التنسيق بين ظواهر النصوص، اصطلاح:"حَملُ المطلق على المقيد"أي تأويل المطلق وتفسيره بما ورد في شأنه أو موضوعه من التقييد المؤيَّد بالدليل، تحقيقًا للمعنى المراد، إذ أضحى مثل هذا القيد، ملحوظًا في معنى المطلق، ومعتبرًا في تشريع حكمه، لما قلناه من وحدة السبب، والموضوع، والحكم، فكان التأويل إذنْ منهجًا عقليًا وضروريًا، للتنسيق بين النصوص المتخالفة في ظواهرها، إطلاقًا وتقييدًا، للكشف عن المعنى المراد للشارع منها، وتحديده، ولكن بالدليل القوي المسوِّغ. وهكذا ترى، أن التأويل قد أضحى ضرورة تشريعية للكشف عن القيود المعتبرة التي تدخل في تشكيل علة الحكم.
هذا، وقد وضع الأصوليون لهذه القاعدة التفسيرية الأصولية من الشروط ما يجنَِّب المجتهد الشطط في التأويل، وهو أمر مبسوط في علم الأصول، مما يُنبئ عن دقة علماء المسلمين في وضع مقوِّمات المنهج العلمي في تفسير النص القرآني، وتفهمه بل وتعمقه، واستبطان معناه المراد منه.
خامسًا: التأويل بما يدل أولُ الكلام عن آخره، وآخره عن أوَّله، إحكامًا للترابط بين أجزاء النص، على نحو يتسق فيه معنى الآية الكريمة كَمَلًا، أصلٌ في منهج تفسير الإمام الطبري، وبيان ذلك.
أنَّ هذا الأصل مما يؤكد ما أشرنا إليه آنفًا، من أن"التأويل"منشؤه"فطرة النظم القرآني نفسه" (99) ولقد رأينا الإمام الطبري، يجلِّي بيان هذا النوع من التأويل الذي يتسق به معنى الآية الكريمة، بما يستلزم من تحديد مضمون الجملة، بتأثير من سباقها وسياقها، ولاحقها أحيانًا، أو من إضافة معنى يقتضيه تحقق هذا الاتساق المعنوي، لتوقُّف صحته عليه، عقلًا، أو شرعًا، أو واقعًا، ترى ذلك واضحًا في تفسيره لقوله تعالى: (قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خيرٌ لمن اتقى، ولا تظلمون فتيلًا((100) حيث يقول ما نصه: