"يعني بقوله جل ثناؤه:"قل متاع الدنيا قليل"قل يا محمد، لهؤلاء القوم الذين قالوا:"ربنا لم كتبتَ علينا القتال، لولا أخَّرتَنا إلى أجل قريب ـ عيشُكم في الدنيا، وتمتعكم بها، قليلٌ، لأنها فانية، وما فيها فانٍ"والآخرة خير"أي"نعيم"الآخرة خيرٌ، بإضافة كلمة"نعيم"تأويلًا يتسق به معنى الكلام، بما يدل أوله عن آخره، وآخره عن أوله.
وبيان ذلك، إن الإمام الطبري، يعلِّل وجه هذه الإضافة، أو يقيم الدليل على اقتضائها، جريًا على منهجه العلمي في التفسير، بما يؤكد الترابط والاتساق القائم بين أجزاء معنى النص في الآية الكريمة كمَلًا، حيث يقول ما نصه:"وإنما قيل: والآخرة خيرٌ"ومعنى الكلام ما وصفتُ من أنه معنيٌّ بها"نعيمُها"لدلالة ذكر"الآخرة"بالذي ذُكرت به، على المعنى المراد منه"جـ 8 ص 551."
ومعنى هذا، أن ذكر"الآخرة"في مقابل متاع الدنيا القليل، لفنائها، وما وصفت به الآخرة من"الخيرية"دالٌ اقتضاءً على أن المراد"نعيمها الباقي لدوامها"وبهذه المقابلة بين متابع الدنيا، ونعيم الآخرة، كان أول الكلام دالًا على آخره، وآخره دالًا على أوله، تحقيقًا لاتساق المعنى المراد الذي اقتضى تلك الإضافة، ولكن لا على سبيل التَّزيُّد، بل إظهارًا للمعنى الكامل المراد، عن طريق الاقتضاء العقلي، مما يقيم الدليل البيّن على أن للرأي المُدرك مَدخلًا في التفسير ـ وأن التأويل من صلب الاجتهاد بالرأي، وأنه مما يقتضيه سنَنُ العربية وخصائصها في الأداء، على ما أشار إليه الإمام الشافعي في رسالته الأصولية، حيث يقول ما نصُه:"وتبتدئ ـ أي العرب ـ الشيء من كلامها، يُبين أولُ لفظها فيه، عن آخره، وتبتدئ الشيء يُبين آخرُ لفظها منه عن أوُّله"ـ الرسالة ص 25.
كل ذلك ـ كما ترى ـ تأويل مشتقٌّ من طبيعة النظم نفسه، يتم به اتساق المعنى، سواء منه ما كان منطوقًا، أم كان مقدَّرًا، ولكنه مفهومٌ عقلًا، إذ سياق الكلام يقتضيه.