هذا، ويبيّن الإمام الطبري تأثيرَ أوَّلِ الكلام على صحة الاستنباط هذا المعنى، وتحديده، ـ تدليلًا وتعليلًا ينهض بكونه هو المعنى المراد ـ بقوله فيما نصه:"وذلك إن الله تعالى ذكره، قال: ( وللرجال عليهن درجة( عقيب قوله: (ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف( ويعني الإمام بذلك أن أول الكلام يقرر أصلًا عامًا ثابتًا مُحكمًا لا يُنقَض، وهو"المساواة في الحقوق والواجبات"على سبيل المثلية لا العينية، أي تكافُؤ الأعباء التي ينهض بها كلٌّ منهما، تقسيمًا للعمل بينهما، كلٌّ بحسب طبيعته وجبلَّته، ومُستطاعه، بل وما خُلِقَ من أجله، بما يتم به انتظام المجتمع البشري على خير وجه، وأكمله، وأعدله، ولما كان هذا الأصل ـ المثلية ـ مما يقتضي الدِّقة في الاقتضاء، دون التسامح والفضل والمكارمة، أعقب ذلك بما هو من لوازم الرجولة، وهو الشهامة، والمروءة، نحو النساء، مما يفيد أنها"درجةُ"إحسان، وفضل، ومروءة، ومكارمة، والرجال أولى بتحقيقها بحكم جبلتهم التي ينبغي أن تأبى عليهم خلاف ذلك، ومفاد هذا كله، أنها درجة تكليف لا تشريف، ولا إمرة، ولا استعلاء."
هذا، ويشير الإمام الطبري إلى هذا المعنى السابق، بما أثَّر على المضمون لاحقه، على ما أوضحنا من المعنى، حيث استلزم تأويلَ الصيغة"وللرجال عليهنَّ درجة"من الإخبار إلى الإنشاء المتضمِّن معنى الأمر أو الندب، أو التكليف، إذ يقول الإمام ما نصه:"نَدَبَ الرجالَ إلى الأخذ عليهنَّ بالفضل، إذا تركن أداءَ بعض ما أوجب الله لهم عليهنّ، فقال تعالى ذكره: (وللرجال عليهن درجة( بتفضُّلهم عليهنَّ، وصفحهم لهن عن بعض الواجب لهم عليهنَّ"، وهذا هو المعنى الذي قصده ابن عباس بقوله"ما أحبُّ أن أستنظف جميع حقِّي عليها"لأن الله تعالى ذكره يقول:"وللرجال عليهنَّ درجة".