هذا، ولا ريب، أن الإمام الطبري قد تفقَّه بالفقه الشافعي في أول أمره، ـ كما قدمنا ـ ودرس أصوله، وكان عليمًا باتساع اللسان العربي، وإنك لترى استشهاداته مقتبسةً مما ثقفهُ من أصول إمامه الشافعي، ونضرب لذلك مثالًا آخر، يؤكد هذا المنحى، مما تجده جليًا في تفسير الإمام الطبري، لقوله تعالى (وليعلم الذي آمنوا، ويتخَّذ منكم شهداء( حيث يقول ما نصه: جـ 7 ـ ص 242:"فتأويل الكلام:"وليعلم الله الذين آمنوا منكم ـ أيها القوم ـ من الذين نافقوا منكم"ولما شعر الإمام، أن هذه الجملة:"من الذين نافقوا منكم"لم يرد ذكرها في منطوق الآية نصًّا، فكان تأويلًا لابد من إقامة الدليل عليه، أقول لما شعر الإمام بذلك، سارع إلى تعليل هذه الإضافة، والإتيان بالدليل على أنها مرادة، من طبيعة النص نفسه، وأسلوبه المعهود في البيان ومستشهدًا أيضًا، بما تكرر وقوعه في استعمال القرآن الكريم نفسه، حيث يقول ما نصه:"فاستغنى بقوله: (وليعلم الذين آمنوا منكم( عن ذكر قوله (من الذين نافقوا منكم( لدلالة الكلام عليه 3 جـ 7 ص 242، أي لدلالة أول الكلام عليه.
هذا، ويبين الإمام وجه هذه الدلالة بقوله: إذْ كان في قوله (الذين آمنوا( تأويل"أيّ"... فكأنه قيل:"وليعلم الله أيُّكم المؤمن، كما قال جل ثناؤه:"لنعلم أيُّ الحزبين أحصى"(101) ."
أقول: ومفادُ هذا، إن اسم الموصول في قوله تعالى: ( الذين آمنوا( يتضمن معنى"أيَّ"الموصولية الذي يدل بدوره على المعنى المقدر المستغنى عن ذكره، فجاز التصريح به، لدلالة"الذين آمنوا"عليه، إذ يؤول المعنى المراد إلى القول: (ليعلم أيُّكم المؤمن، وليعلم أيُّكم المنافق( على نحو قوله تعالى: (فليَعَلَمَنَّ اللهُ الذين صدقوا، وليعلَمَنَّ الكاذبين((102) ولأن الألف واللام ـ في قوله تعالى: الكاذبين ـ في تأويل"الذين"الموصولية، وهذه في تأويل"أي"و"مَنْ"الموصوليتين.