والواقع أن الإمام الطبري ـ جريًا على منهجه العلمي في التفسير ـ لا يقتصر على تحديد المعنى المراد في نطاق التضادّ، بل تراه يرجع في تحديد معنى هذا اللفظ إلى معاقد أخرى في القرآن الكريم،"هي أكثر من أن تُحصى" (115) ـ على حد تعبيره ـ قد جاءت كلها باستعمال"الظن"في معنى اليقين، من ذلك، قوله تعالى حكايةً عن واقع المجرمين يوم القيامة"ورأى المجرمون النار، فَظَنُّوا أنهم مواقعوها" (116) إذ اليقين فرعُ المعاينة بالرُّؤية البصرية، وقوله تعالى: (إنِّي ظننت أني ملاقٍ حسابِيَه"(117) . هذا فضلًا عما سرد من روايات السلف التي تُعزِّز هذا المعنى الذي حدَّده، وهو ضربٌ من"الرَّبط"بين اللفظ، وموارد استعماله، أو معاقده في القرآن الكريم، فيؤولُ إلى أن يكون تفسيره أو تأويله، تفسيرًا أو بيانًا للقرآن بالقرآن ـ كما ترى ـ وهو أكثر وجوه التفسير قوةً ودقةً، وصوابًا، وهذا الوجه من التفسير هو الذي نبَّه إلى انتهاجه، والالتزام به، الإمام محمد عبده، في مقدمة تفسيره، حيث يقول:"والأحسن أن يُفهم اللفظُ من القرآن نفسه، بأن يُجمع ما تكرر في مواضع منه، وينظر فيه" (118) ولكن يردُ على الإمام هنا، أنَّ هذه المسألة لا ينبغي أن تكون متردِّدة في حُكمها بين الحسن والأحسن، وإنما يَتَعَيَّن أن يكون حكمها الوجوب، أي الواجب المتعيِّن أن يُفهم اللفظ من القرآن نفسه، إذ الشارع الحكيم، هو أدرى بما أراد من معنى فيما أنزل من كتاب، وإلا كان التفسير مباينًا لما أراد سبحانه، وهذا هو التفسير بالهوى، أو الرأي المحض، وهو من الكبائر، كما أسلفنا."