ونحن نرى أن الإمام الطبري، إذْ يتخذ موقف الرفض للقول بزيادة"لا"يرى أن في الكلام مجازًا مرسلًا، يوحي به السباق، وهو قوله تعالى: ( إلا أبليس لم يكن من الساجدين( ووجه المجاز المرسل هنا أن"المنع"يراد به الحمل أو الإلجاء أو الاضطرار أو الاحتياج إلى ما يُضَادُّ السجود، وهذا من"لوازم المنع"إذ المنع من الشيء يستلزم الحمل على ما يضاده ويقابله، أو بعبارة أخرى أن"المانع من السجود مستلزم للباعث على عدم السجود"فعبَّر بالمانع مجازًا عما يستلزمه من"الباعث"الدافع إلى عدم السجود، لوجود"علاقة التلازم"بينهما، وقد أشرنا آنفًا، إلى أن"التلازم""دلالة عقلية"وبذلك أقام الإمام الطبري الدليل على"أصالة"كلمة"لا"اجتهادًا بالرأي ـ كما نرى ـ وقدَّر معنى تقتضيه وتستلزمه استقامة معنى الآية كملًا، وهو مستوحى من سباق نص الآية الكريمة، استغناء بمعرفة السامعين له، ومن المقرر أن"حذف ما يعلم عقلًا جائزٌ"، فلم يكن التأويل ـ في مثل هذا المقام ـ إلا تفصيلًا لما أجزه القرآن، لأن الإيجاز جزءٌ من بلاغة نظمه المعجز، وليس التأويل تزيُّدًا ولا تقوُّلًا.
هذا، وبيَّنَ الإمام الطبري، أن قوانين النحو إذا اقتضت زيادتَها، أفسدت المعنى، وأخَلَّت ببلاغة النظم، لذا رفضها، إذ لا يقوى"النحو"على النفاذ إلى الدلالات العقلية للنص، وهذا من صلب الاجتهاد بالرأي بلا مراء، فضلًا عن أن يملك النحو القدرةَ على النفاذ إلى أسرار بلاغته وإعجازه.
وفي هذا المعنى، يقول الإمام الشيخ محمد عبده، في تفسير"المنار"ما نصه: "إنَّ تحكيم مذاهبهم النحوية في القرآن، ومحاولة تطبيقه عليها ـ وإنْ أخَلَّ ببلاغته ـ جراءة كبيرة على الله تعالى، وإذا كان"النحو"وجد لمثل ذلك، فَلَيتَهُ لم يوجد" (135) .