فهرس الكتاب

الصفحة 4764 من 23694

أضف إلى ذلك، إننا إذا أدركنا، أن السؤال لم يكن على حقيقته، وإنما أخرجَ مُخَرج التوبيخ والإنكار واللوم ـ وإنه لكذلك ـ لسبقِ علم الله تعالى الباعث الذاتي لدى إبليس الذي حمله على عدم السجود، والمخالفة عن أمر ربه، وهو ما أفصح عنه إبليس نفسه في مقام الإجابة، من زعمه خيرية عنصره الناريِّ وتميزه، وتفوقه على عنصر آدم عليه السلام:"خلقتني من نار، وخلقته من طين"أقول إذا أدركنا ذلك، أمكننا الوقوف على مدى قوة النفاذ العقلي لدى الإمام الطبري، في تحقيق الانسجام المعنوي بين آي التنزيل في موضوع واحد، بحيث أن القول بزيادة"لا"إزاءَه، واعتبارها حَشوًا لا معنى لها، أقول إن هذا القول يغدو، من"بُدُوِّ الرأي المنهي عن شرعًا"إذْ لا تعمق فيه ولا اجتهاد، بل تنقطع به موافقته للكلام أو مطابقته لمقتضى الحال الذي هو قوام البلاغة، كما هو معلوم، وليس من وظائف قواعد النحو الإخلال ببلاغة القرآن، وأسرار بيانه، بداهة، بل هي خادمة لكل أولئك، كما أسلفنا.

هذا، وفي الآية الكريمة إيماءٌ إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يزعم لنفسه ـ استكبارًا وعلوًا ـ خيريةً أو تفوقًا في أمر أو عنصرٍ لم يكن له يدٌ في إيجاده، وعلى هذا، فلا تفضيل إلا بما فضل الله تعالى به عباده، من معايير الحق والعدل والتقوى، وما تقتضي به الحكمة الإلهية العليا، خلقًا وتدبيرًا، وإنْ خفيت على الناس، بل والعلماء، في كثير من مواطنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت