فهرس الكتاب
فتلخص إن"الاجتهاد بالرأي"أمرٌ لا ندحة عنه في التفسير، لما تستلزمه فطرية النظم القرآني، وتَصَرُّفُهُ في وجوه البلاغة والبيان، وقد تجلَّى في"مواقف"الإمام الطبري التي لا تُحصى، مما ضربنا له من أمثالٍ تبدَّت فيه"شخصيتُهُ العلمية المستقلة الناقدة الممحِّصة"فلا وجه للقول بأنه أخلصَ نفسه للتفسير بالمأثور المحض، أو ظاهر اللغة، وأغلب الظن أن الطبري، متأثر ـ في ذلك ـ بإمامه الشافعي، حيث يقول في شأن الاجتهاد بالرأي، من أنه أمر مفروض قد ابتلى الله تعالى عباده، بطاعته فيه، كسائر فرائض الدين، فيما نصه: وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعَتَهم في غيره، مما فرض عليهم" (136) ، ولعل هذا يومئ إلى السرِّ في اصطفاء الإمام لكلمة"التأويل"عنوانًا لموسوعته، دون كلمة"التفسير"."
على أن أحدًا من المحققين، من الأصوليين والفقهاء، بل وعلماء البلاغة، لم يقل بإهمال أيٍّ من"الدلالات العقلية"للنظم القرآني، أيًّا كان نوعها، بما هو"وحدة كاملة"لفظًا ومعنى، ودلالاتٌ لا انفصال بينها، استثمارًا لكافة طاقات النص، بل يجب الاستدلال بها جميعًا، لكنها مقصودة للمشرع عند المحققين من الأصوليين بالاتفاق، فكانت حجة في الاستدلال كالدلالة"الوضعية"سواء بسواء، إذْ من المقررـ أصوليًا ـ أنَّ النص الدالَّ على الملزوم، دالٌّ على اللازم، اتفاقًا، وسبيل الاستدلال بهذا الأخير، هو الاجتهاد بالرأي لا محالة، والتأويل من أقوى صوره، تعقلًا ونفاذًا، وسَدَادَ منطق.
د. محمد فتحي الدريني
رئيس قسم العقائد والأديان
كلية الشريعة ـ جامعة دمشق
الحواشي:
(1) أصول الفقه ـ ص 138 ـ للشيخ أبو زهرة ـ وراجع بحثًا مستفيضًا في"التأويل"كتابنا المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي ـ ص 163 وما يليها ـ كتاب الخراج لأبي يوسف ـ ص 23 ـ ص 27 ـ محاضرات في أصول الفقه ـ ص 263 ـ 226 للشيخ مصطفى شلبي.