فهرس الكتاب
سمعت الإمام أبا سهل محمد بن سليمان رحمه الله وسئل عن السماع فقال: المستمع بين استتار وتجل، فالاستتتار يورث التلهيب، والتجلي يورث التبريد، والاستتار يتولد منه حركات المريدين وهو محل الضعف والعجز، والتجلي يتولد منه سكون الواصلين هو محل الاستقامة والتمكين، فكذلك محل الحضرة ليس فيها (126) إلا الذبول تحت موارد إلهية. قال الله تعالى: ( فَلمّا حضَرُوهُ قَالُوا انصتوا((127) .
وسمعت عبد الواحد بن علي (128) يقول: في السماع مناظر وأخطار.
لا يحوزها إلا العلماء الربانيون الفانون عن نفوسهم وحظوظهم الراسخون في علم الغيوب، المشاهدون حقائق الأقدار بمجاريها على الأكوان لها وعليها فناء وبقاء وقبضًا وجمعًا وتفرقة.
سمعت أبا علي بكر محمد بن عبد الله الرازي (129) يقول: سمعت أبا محمد الجريري (130) يقول: سمعت الجنيد يقول: السماع بين للمسلم المسلم وكشف للمؤمن، وتلويح للمتيقن، ونزهة للعارف، وكل له مكانة.
سمعت أبا عثمان الحيري (131) يقول: إذا تحقق العبد بالله غار عليه الحق فلا يسمع إلا منه، وأسقط عنه بآل الفصل الزعيم الوصل وإن كان لا وصل ولا فصل في الحقيقة.
فهذه أطراف مما قالت الحكماء فيه من وصف السماع والمستمع: وسنذكر بعد هذا ما السماع وما يجب على المستمع من آدابه.
فمن ذلك ما قيل: إن السماع تجرع الأشرار الصافية لما يرد عليها من فوائد الحق وزوائده.
وقيل: السماع تجارب المريدين، وبيان المتحققين، وتهييج شوق المحبين، وتسلية أفئدة الصادقين، وهتك أستار المبطلين.
وقيل: السماع ميزان الرجال ومرآة الأبطال.
وقيل: السماع ما تقهرك بداهته لا ما تريغه على نفسك بالعلل.
وقيل: السماع تطلب مفقود أو تحقق موجود.
وقيل: ما سمعت فهو منة وما أسمعت فهو بركة.