فهرس الكتاب
ولكننا إذا دققنا النظر في سياق كلامه على النواحي الاقتصادية، لم نجده في الحقيقة ينحو دائمًا نحوًا اقتصاديًا اجتماعيًا؛ بل إنه ينحو أحيانًا نحوًا اقتصاديًا بحتًا؛ كما نرى اليوم في بحث الاقتصاد السياسي. وهذا يعني، أن الصورة التنظيمية لعلم الاجتماع وفروعه لم تجد التعبير الكامل عنها في"المقدمة". ويرجع ذلك إلى أنه كتبها على عجلة من أمره، في مدة خمسة أشهر كما يقول (3) ، في قلعة ابن سلامة. ولهذا فهو يعتذر قائلًا:"وقد كدنا نخرج عن الغرض. ولذلك عزمنا أن نقبض العنان عن القول في هذا الكتاب الأول الذي هو طبيعة العمران وما يعرض فيه. وقد استوفينا من مسائله ما حسبناه كفاية. ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح، وعلم مبين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا. فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله؛ وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه. والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئًا فشيئًا إلى أن يكمل (4) ".
ومهما يكن من أمر، فإننا أميل إلى أن ننظر إلى المباحث الاقتصادية في"مقدمة"في سياقها الاجتماعي؛ لأن اتجاه ابن خلدون الفكري كان ينحو هذا المنحى؛ وإن كانت الإشارة إلى ذلك تعوزه في بعض المواضع.