فهرس الكتاب

الصفحة 4888 من 23694

ولاشك في أن افتتاح الشعراء العباسيين لقصائدهم بالمقدمات الغزلية المتوارثة، كان له سبب وأي سبب فمن المعروف أن معظم القصائد العربية تبدأ بالغزل ما عدا قصائد الرثاء، وعلة ذلك أن الغزل يصل إلى السمع ثم إلى القلب، فيكون بردًا وسلامًا، حتى إذا جاء الغرض الحقيقي من القصيدة، وليكن هجاء، استجابت له النفس بسرعة، وأثر فيها تأثيرًا بالغًا، وفي هذا المعنى يقول ابن الرومي: ... أقدم في أوائلها النسيبا

ألم تر أنني قبل الأهاجي

لتخرق في المسامع ثم يتلو ... هجائي محرقًا يكوي القلوبا

كصاعقة أتت في أثر غيث ... وضحك البيض يتبعه النحيبا

إلا أن المتنبي يقرر في بيته المشهور: إذا كان مدح فالنسيب مقدم.. ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر

إن ابتداء المديح ـ وهو رأس فنون الشعر العربي ـ بالمقدمات الغزلية، ضرورة تقليدية لا مفر منها ونموذج يجب على الشاعر احتذاؤه، ومع ذلك فإن عواطف الغزل الصناعي، غالبًا، عواطف باردة مسطحة لأن الشاعر في غزله هذا، لا يصدر عن تجربة ومعاناة، وإنما يقلد تقليدًا، ويمشي على سنن الماضين، فليس في غزله خفقة قلب جريح، ولا آهة صدر مثقل بالأحزان، ولا دمعة عين متعبة من السهر، إنه ينسخ معاني من سبقوه، وقد يستعير ألفاظهم، ليحافظ على شكل القصيدة العربية، وليقال عنه أنه شاعر غزل.

وهذا الغزل الصناعي، يصف المرأة عن طريقين، طريق روحها، وطريق جسدها، فهو في الروح يتطرق إلى ذكر لفظها وحديثها ورقتها ونعومتها، وهو في الجسد، يتطرق إلى ذكر محاسنها، من حور في العينين، واكتناز في النهدين، وعبالة في الساقين، إلى ما هنالك من محاسن أنثوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت