فهرس الكتاب
أما الغزل العاطفي، أو العذري، فهو غزل يصدر عن صدق وهوى، وعن قلب مترع بأحزان الحب وعن إحساس يضطرم بعشق المحبوبة، وعن نفس ذاقت عذاب الغرام، إنه غزل يعبر عن تجربة مدمرة عصفت بالشاعر فأرهقته، وترامت عليه فهدته، فجرى الشعر على لهاته، يصور مأساته ويرسم انفعالاته، ويرصد عبراته، ويغني لذاته المتألمة، كل ذلك في لفظ شريف ومعنى عفيف، تغمره المودة والصفاء، ويخلو من وصف داعر لأعضاء المعشوقة، ولقصص اللقاء معها.
وشاعر هذا النوع من الغزل، يخاطب امرأة واحدة أحبها وأحبته، فهو لا يحيد عنها إلى غيرها، ولا يبدلها بصاحبتها، إنما يقف قلبه ووجدانه وفكره جميعًا عليها، يذكرها ذكرًا مستديمًا، ويحن إليها حنينًا عظيمًا، يشتهي لها المسرات وإن صدته، ويتمنى لها المغبطات وإن نسيته.. إنها في خاطره أبدًا، في حله وترحاله، في نعيمه وشقائه، في نومه ويقظته. وهو باختصار، مخلص لها ولحبها، لأنه يرى بها وبحبها معنى حياته وركن وجوده.
ومن أشعر شعراء هذا النوع من الغزل العاطفي أو العذري، في العصر الإسلامي، أبو صخر الهذلي وهو في شعره يبث حنينًا لاعجًا، وحزنًا مؤثرًا، وأروع ما قاله في محبوبته الأبيات التالية:
أما والذي أبكي وأضحك والذي
لقد تركتني أحسد الوحش إن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر
فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لديَّ ولا نكر
وأمام هذا النوع من الغزل العاطفي أو العذري في العصر الأموي، جميل بثينة، وفي شعره وفاء وإخلاص ورقة في اللفظ وجمال في المعنى، وهو في حبه لبثينة مشغول بها، لا يتخلى عنها إلى غيرها من النساء وهو يكره العاذلات لأنهن يردن التفريق بينه وبينها وهو وفيٌّ لفؤاده مهما صدت عنه حبيبته، ومهما أخلفت أمانيه: ... منها فهل لك في اجتناب الباطل
ويقلن أنك قد رضيت بباطل