فهرس الكتاب
ولباطل مما أحب حديثه ... أشهى إلي من البغيض الباذل
ليزلن عنك هواي ثم يصلنني ... وإذا هويت، فما هواي بزائل
ومن شعراء هذا النوع من الغزل العاطفي أو العذري في العصر الأموي العباسي، ابن الأحنف أيضًا غزله تأثر وصبابة، وبكاء دمع، وحزن وأسى لبعد المعشوقة، ويأس وألم لصدها، وقد أحب (فوزًا) ولم ينشد الشعر في سواها، ولم يزهد بغرامها. وديوانه يغص بالغزل الباكي، فكأنه أفرد لذلك: ... كنا عليه منذ نحن صغار
يا فوز هل لك أن تعودي للذي
فلقد خصصتك بالهوى وصرفته ... عمن يحدث عنهم فيغار
هل تذكرين بدار بكرة لهونا ... ولنا بذاك مخافة وحذار
فوددت أن الليل دام وأنه ... ذهب النهار فلا يكون نهار
وشاهد هذا النوع من الغزل في العصر العباسي، علي بن الجهم، فقد كانت عاطفته تدفعه إلى باب الحبيب وأهله، فيهمّ بالباب، وشوقه راعف إلى وجه المعشوقة، ولكن أنى له ذلك والدنيا تضيق أمامه على رحبها، ولذا سلك في غزله مسلك العاطفة الشريفة، وأقام على الوجد والهوى والحنين والشوق وفيًا مخلصًا: ... وأشفق من وجد به وأهيم
أحنُّ إلى باب الحبيب وأهله
وإني لمشغوف من الوجد والهوى ... وشوقي إلى وجه الحبيب عظيم
وقد ضاقت الدنيا علي برحبها ... فيا ليت من أهوى بذاك عليم
والعواطف في هذا النوع من الغزل جياشة عميقة صاخبة، لأن الشاعر يقول ما في قلبه، وينطق وجدانه وضميره، ويصف حرارة مشاعره، وهو يصل إلى هذا كله عن طريق الروح والمعنويات في محبوبته، ونادرًا ما يتعرض إلى الجسد والماديات، لأن العفة تمنعه، والحياء يحجبه. ... واللوم في غير كنهه ضجر
وشاعر الغزل العاطفي أو العذري، له مثله العليا، كأن يكون كلفًا بحبيبته، يهواها بعين قلبه لا بعين هواه، ومغرمًا مدنفًا متيمًا قولًا وفعلًا، حسًا وجسدًا، ومجاهدًا لغرض النفس وغصص الحب ووشاية العواذل، ووفيًا أمينًا لا يخون العهد ولا ينقض الميثاق.