فهرس الكتاب
وأما الغزل الماجن، فهو غزل صريح، جريء، مكشوف، خلا من الخجل، وابتعد عن الحشمة، وجانب الصواب، وضل الطريق، وقد كثر كثرة طاغية في العصر العباسي عن طريق البيئة الفارسية المتحللة التي طغت على البيئة العربية المحافظة في ذلك العصر، وعن طريق الترف والنعيم وحياة اللهو والقصف، وفسحة اللذة، والفجور التي سادت في تلك الحقبة من التاريخ، إلا أن له جذورًا في العصر الأموي، نماها واشتهر بها عمر ابن أبي ربيعة، الذي وصف المرأة، فعرض لجمالها وزينتها، ومواضع دلها وفتنتها، وإغرائها، ولم يتحرج أن يأتي وصفه دقيقًا حساسًا، ولم يستح من ذكر ما كان بينه وبين النساء من مجالس لهو وعبث ولقاءات ليلية متخفية إلا أن عمر بن أبي ربيعة، مع ذلك يبقى مهذبًا بالقياس لشعراء الغزل الماجن في العصر العباسي كبشار بن برد وأبي نواس."وبشار هو أول من سلك إلى الغزل سبيلًا صريحًا ملتوية معًا، فهي صريحة بألفاظها، ملتوية بغاياتها، جريئة في أهدافها وصورها" (4) .
إلا أن بشارًا لم يكن رائدًا في هذا النوع من الغزل، وإن ذاع صيته به، واشتهر على معطياته، لقد تأثر خطا أستاذه في هذا الفن، عمر بن أبي ربيعة، وتأثر خطا الوليد بن يزيد أيضًا وكلاهما من شعراء العصر الأموي، فنحن نحد في شعره ميلًا قويًا إلى اللهو، وخلطًا بين الغزل والخمور، وفجورًا وفسقًا شديدين، ومن قصائده التي تعبر تعبيرًا صارخًا عن مذهبه في طلب اللذة، قصيدته الرائية:
قد لامني في خليلتي عمر
حسبي وحسب الذي كلفت به ... مني ومنه الحديث والنظر
أو قبلة في خلال ذاك ولا ... بأس إذا لم تحلل الأزر
أو عضة في ذراعها ولها ... فوق ذراعي من عضها أثر
أو لمسة دون مرطها بيدي ... والباب قد حال دونها الستر
والساق براقة مخلخلها ... أو مص ريق وقد علا البهر
واسترخت الكف العراك وما ... لت: إيه عني والدمع منحدر
انهض فما أنت كالذي زعموا ... أنت وربي مغازل أشر