فهرس الكتاب
ولم يكن بشار وحيدًا في هذا الباب، فقد تبعه أبو نواس في مذهبه، وأجرى على لسانه غزلًا فيه عبث، ومجون واستهتار وحيوانية، فهو يتعرض في شعره المفضوح إلى الإماء والقيان، وهو يتظاهر بالحب والهوى لكنه لا يميل في الواقع إلا إلى إشباع غرائزه الجنسية ونزواته البهيمية، همه أن يوقظها إذا خمدت ويتسثيرها إذا نامت، وهو بالإضافة إلى هذا كله يغلو ويسرف في الميل إلى معاشرة المرأة ووطئها، وديوانه حافل بهذا النوع من الشعر الداعر، الذي يموج بالشهوة المتأججة. والرغبة الجامحة، وإذا كان تهذيبه يظهر في شيء ففي طلبه للقبلة، والفوز بها بعد امتناع ونصب: ... بعد امتناع وشدة التعب
سألتها قبلة ففزت بها
فقلت: بالله يا معذبتي ... جودي بأخرى أقضي بها أربي
فابتسمت ثم أرسلت مثلا ... يعرفه العجم ليس بالكذب
"لا تعطي الصبي واحدة، ... يطلب أخرى بأعنف الطلب"
وأبو نواس في شعره الماجن إنما يتأثر أستاذه المباشر وهو والبة بن الحباب الذي كان شاعرًا ظريفًا غزلًا، تتلمذ على يديه أبو نواس فغرف من بحره، وجاراه في شعره"وقد يكون من العدل أن ننصف أبا نواس في إعطائه نصيبه الذي يستحقه من المسؤولية عما طرق في باب المجون، فإنه لم يكن خالقًا مبتكرًا، لكن اتسع فيه وفتح أبوابًا، وكشف منه وجوهًا" (5) . ... بيتًا كلفت به من شعر بشار
وحظ اللواعج النفسية في هذا الشعر الماجن، ضئيل، أما حظ الشهوات الجسدية فموفور، لأن الشاعر الغزل الماجن لا يستجيب لنداء قلبه بقدر ما يستجيب لنداء جسده، فهو يبحث عن اللذة، ويجري وراءها ولا يلتفت إلى وميض الشوق في أعماقه، لأن قلبه فارغ من الحب، خال من الصبابة، لم يعشق واحدة بعينها ولم يخلص لمحبوبة بذاتها، لذا أتى شعره يموج بالأنين الحسي أكثر مما يموج بالأنين العاطفي، يسترسل في استعماله الألفاظ المكشوفة أكثر من استرساله في استعمال الألفاظ المستورة. ويدور على المعاني المفضوحة أكثر من دورانه على المعاني العفيفة.