فهرس الكتاب

الصفحة 4902 من 23694

1 ـ مناجاة الطيف واستحضاره: لا عجب إذا قلنا إن جملة العشاق يشكون من الهجر والبعد والفراق، والإنسان بما وهبه الله من نعمة التخيل، يستطيع أن يستحضر في ذهنه، وبواسطة عينيه، صورة من يحب ويفتقد، إذا كان بعيدًا، ونعمة التخيل هذه تنقلب عند العشاق إلى قوة التخيل، فهم يستطيعون أن يجسدوا المحبوب أمامهم أعينهم، فيناجون طيفه ويشكون له العذاب ويطلبون منه الوصل.

وفكرة الطيف ومناجاته واستحضاره وتجسيده، قديمة في شعرنا العربي، نجد لها أصولًا في بعض أبيات للجاهلين، وخاصة عند قيس بن الخطيم، وعمرو بن قميئة وطرفة بن العبد، ونجدها تنمو في العصر الأموي عند جرير، ويشتد نموها فتصل إلى حد الإبداع في العصر العباسي عند البحتري:

فطرفة بن العبد وهو من الجاهليين يطرد خيال الحبيبة في قوله:

فقل لخيال الحنظلية ينقلب

ويقلده جرير وهو من الأمويين، فيطرد خيال الحبيبة طردًا رقيقًا في قوله: ... وقت الزيارة فارجعي بسلام

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا

ويعكف أبو نواس وهو من العباسيين، على الطيف فيصفه وينفخ فيه الحياة بقوله: ... عاد لنا الوصل كما كانا

إذا التقى في النوم طيفانا

يا قرة العينين، ما بالنا ... نشقى ويلتذ خيالانا

ويأتي البحتري فيكثر من وصف الطيف ويقلب فيه المعاني، فيجسمه ويلقاه ويعاتبه ويودعه، ويبلغ فيه شأوًا رفيعًا: ... وزورتها بعد الهُدوِّ وما تدري

ولم أنس إسعاد الكرى بدنوها

وأخذي بعطفيها وقد مال ردفها ... بطيِّعة العطفين مهضومة الخصر

أو: ... أرق بالخيال الزائر

أخيال علوة كيف زرتَ وعندنا

طيف ألم بنا ونحن بِمهمَهٍ ... مرت يشق على الملم الخاطر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت