فهرس الكتاب

الصفحة 4906 من 23694

ومع أن شاعرنا يلبس معانيه حلة قشيبة مزركشة، ويعنى بجمال التعبير في التركيب، إلا أن أخيلته صناعية مفتعلة، جافة لا تعدو التشابيه والاستعارات والكنايات والمجازات، ولا تعبر بالفكر إلا في حدود البصر واللون والصوت، وهي على الأكثر الغالب، نتاج ثقافة ودراسة وذاكرة قوية، وليست نتاج خيال وثاب مجنح، ومن هنا لم يستطع الشاعر بها إثارة عواطفنا لأنها مكرورة متداولة. ونستطيع أن نضرب مثالًا على سوء الاقتباس في المعاني والصور بالبيتين التاليين:

قال عنترة يخاطب عبلة:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل

فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم

وقال صفي الدين الحلي مقلدًا: ... كالسحب من وبل النجيع وطله

ولقد ذكرتك والسيوف مواطر

فوجدت أنسًا عند ذكرك كاملا ... في موقف يخشى الفتى من ظله

فبيتا عنترة تلتقي معانيهما بصورهما التقاء رائعًا، على حين أن بيتي الحلي يفتقدان هذا الاتقاء بين المعاني والصور، ويشكوان من الغثاثة والتعمد. ... إلا بما تسمع من أنينه

وتبدو تقريرية خيالية ومباشرة في كثير من قصائده الغزلية أيضًا، فهو حينما يصور يوازن بين المشبه والمشبه به، أو المستعار والمستعار له، موازنة دقيقة أمينة، لا تثير فينا انفعالًا أو هزة شعور، ولا تنقلنا من عالم المحسوس إلى عالم اللامحسوس، ولا تسوق خيالنا إلى عوالم جديدة.

ولاشك أن المبالغة إذا أكسبت المعنى طرافة ومتعة، وزادته إشراقًا وجمالًا، كانت مستحبة مقبولة، أما إذا جانبت هذه المبالغة الصدق الفني وطعنت المعنى ولم تخدمه، فإنها تسيء إلى حلاوة الشعر ورونقه ومثل هذه المبالغة الأخيرة عند صفي الدين الحلي كثيرة وملحوظة، منها قوله:

متيم لا تهتدي عواده

أصبح يخشى الظبي في كناسه ... ولا يخاف الليث في عرينه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت