فهرس الكتاب

الصفحة 4907 من 23694

ومما يسيء إلى المعاني في غزليات الحلي، إفراطه في استعمال المحسنات اللفظية من طباق وجناس ومقابلة الخ.. إفراطًا يذهب بجمال الشعر، ويجعله حلية لفظية، تتكئ على تناغم الألفاظ وموسيقيتها، وتهدر من أجل ذلك دور الأفكار، والحلي في هذا الإفراط بالمحسنات اللفظية إنما يتابع أبا تمام، ولكن شتان ما بينه وبين أستاذ البديع ومفتق عجائبه، فشاعرنا يأتي بالمحسنات اللفظية للمحسنات اللفظية بدون هدف آخر، وحتى يثبت براعته في استقصاء كل أنواع البديع، وطول باعه في هذا الفن، وأبو تمام على يأتي بالمحسنات اللفظية مسربلة بالتصوير، أو التصوير مسربل بها، ويغوص بواسطتها على المعاني، ويعمل فكرة في غرائبها حتى يصل حد الغموض ومن أمثلة الطباق الفارغ الذي لا ينفع في تصوير معنى أو توضيح فكرة، قوله: ... فما غير الفعال لها شمال

وإني إن حلفت له يمينًا

فيا من سرني باللفظ منه ... ولكن ساءني منه الفعال

ومن أمثلة الجناس الذي يكثر كثرة عجيبة ومملة في هذه الغزليات وكل أغراض الشعر الأخرى عند الحلي، ولا يفيد شيئًا سوى تطريب موسيقي بائخ، قوله: ... وشاهدوك بسخطي راضيًا فرضوا

أطعت ما سن أعدائي وما فرضوا

هذا عدا عن التورية والاستخدام وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتأكيد الذم بما يشبه المدح، وكل أنواع البديع المعروفة وتفريعاتها: ... لا عطف فيكم ولا لي منكم بدل

والواقع أن مذهب البديع الذي أصَّله وتفنن في تفنيًا رائعًا أبو تمام ومعاصروه من الشعراء العباسيين والذي كان يهدف إلى تجميل الشعر في الشكل، وتعميقه في المعنى، ووصل الفلسفة والمنطق الفكري، لا لفظيًا بروح القصيدة، الواقع أن هذا المذهب، انقلب عند صفي الدين الحلي إلى هندسة لفظية خارجية وأوعية براقة فارغة لا تحمل في مطاويها إلا الإلحاح في التصنع والإلحاف على الزركشة، وخنق المعاني الشعرية بأنشوطة البديع، واستشهاد الخيال في حومة الجناس والطباق والمشاكلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت