فهرس الكتاب

الصفحة 4937 من 23694

إن احترام الشيخوخة والعناية بها من أعراف الشرق وشمائل أهليه، وكذلك في أكثر المجتمعات الإنسانية يتحكم الرجال المسنون والنساء المسنات ـ ممن يملكون زمام ملكاتهم ومواهبهم ـ بالرقابة والتوجيه الاجتماعيين. بل إن علو شأنهم هو ثمرة جوهرية لتجربتهم العظيمة وتوازن أحكامهم وتطاول خبرتهم لوقائع الحياة وإدراك خصائص الطبيعة الإنسانية وفهمهم للقضايا الاجتماعية وسيطرتهم على ثروة الأسرة ومن ثم على مجموع ثروة المجتمع. لذا يكون من حقهم تولي زمام القيادة والسلطة. ولكن صروف الدهر قد تخرج على التقيد بتجارب المسنين إذ يطرأ من حدثانه وأموره المستجدة ما يجعل تلك التجارب لا شأن لها بل تستدعي نظرًا جديدًا يستشرف المستقبل ويتوقع ما يوائم ملامحه دون تناسي تلك التجارب بحيث يقتضي التطور ثورة تثبت الإصلاحات الضرورية. وهكذا يقع في التاريخ ملمات إزاء صروف الحياة تتكشف عن ثورات تستبدل بالتنظيم القديم ذي الأطر المتداعية تنظيمًا متضامنًا جديدًا. والعالم المعاصر اليوم أمام ملمات من هذا النوع تمس مختلف مراحل العمر: سن الشباب الذي يمر بالقلق ويفور بالاضطراب وسن النضج بسبب التقني السريع وسن الشيخوخة التي لا يبدو وضعها الحالي تتويجًا سعيدًا لحياة العمل الطويلة المضنية. وإذا كان البالغون يمتلكون مختلف الوسائل المشروعة للمطالبة بحقوقهم وكان الشباب بجموحهم وعدم تقديرهم للعواقب مصدر الرد العنيف فإن المتقدمين في السن لشعورهم بأنهم عقيمون لا فائدة منهم ترجى قد يذعنون ويصمتون ويطوون رغابهم وآمالهم وأحزانهم في حقيبة بانتظار الرحيل.

كان ينظر إلى الشيوخ الذين يقاومون مجرى الزمن على أنهم كائنات استثنائية يجتلبون الاحترام ولا يطرحون مسائل معقدة لضآلة عددهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت