فهرس الكتاب

الصفحة 5048 من 23694

أما الماديات فقد سبق القول فيها مفصلًا، وأما المعنويات، فمرد تحريمها تفتيت القوى، وانقسام الأمة على نفسها، بما يجعلها شِيَعًا متناحرة، وشراذم متنازعة، ومن مثل التسلط، والاستضعاف، والاستعمار والقهر، واستلاب الثروات، وإفساد ذات البين، وإشعال نار الفتنة، والعصبية الطائفية، والمذهبية، والعنصرية، سواء أكان ذلك على الصعيد الداخلي، أم على المستوى الدولي، وهو ما تجنح الدول الاستعمارية إليه عادة تحت شعارها المعروفِ"فَرِّق تَسُدْ"، أو"السياسة أولًا"أي تجريدها من قواعد الأخلاق، وموازين القيم، ومن شعار"الحق للأقوى"إلى غير ذلك من الشعارات والمبادئ التي تنافي روح الإسلام رأسًا، وتناقض مبادئه وأُصوله العامة الثابتة التي تتعلق بالمصلحة الإنسانية العليا، مما كان سببًا مفضيًا إلى استضعاف الشعوب المقهورة في بلادها، ونشوء ظاهرة الاستعلاء والاستكبار في الأرض، لتكون أمة هي أربى من أمة، ومن تحكيم"القوة"في العلاقات الدولية، دون إقامة أدنى وزن للحق والعدل، اغترارًا بأدوات الحرب المتطورة، والثروة وكثرة العَدَدِ والعُدد، وهذه هي"الجاهلية الحقيقية"روحًا ومعنى ومقصدًا، وإن اتخذت صورًا ومظاهر حديثة، وهو ما حرمه الإسلام تحريمًا قاطعًا، لأنه من كبائر الإثم، في مثل قوله عز وجل: (أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون (( 57) ، توجيهًا للإنسانية إلى ماهو أقوم وأعدل، وأجدى عليها، لقوله تعالى: (إنَّ هذا القرآنَ يهدي للتي هي أقوم (( 58) ، وقوله عز وجل: (وإن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فَتَفَرَّق بكم عن سبيله (( 59) ، بل يمكن أن يطلق على أسباب الظلم تلك"الرجعية الحقيقية"التي ترجع بالناس القهقرى إلى البدائية الأولى:"شريعة الغاب"بما فيها من ارتكاس الإنسانية إلى حضيض البربرية والوحشية، وعلى وجه أشد نُكرًا وشناعة، بفضل مضاءِ الأسلحة الحديثة المتطورة الرهيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت