فهرس الكتاب
ولا يخفى ما في قوله تعالى: (دَعَانا لجنبه، أو قاعدًا، أو قائمًا(, من الدلالة على فرط ما أصابه من هَوْل الرُّزْءِ، وفداحةِ الخَطْبِ، وعَظِمَ الكارثة، المستفاد من الذُّهول في الدعاءِ، يتقلب فيه على سائرِ أحوالهِ، وبما اعتراه من الهم والقلق والاضطراب، وهذا ما يؤديه معنى الجزع والهلع في الآية السابقة، حتى إذا زايلته المصائب، وانكشفت عنه المحن، لم يستفد من هذه التجربة المرة، لإسرافه في أمره ـ كِبْرًا وغرورًا ـ، مما يومئ بأن"الغفلة"إذا كانت قد استغرقته بحيث صرفته عن الاعتبار، والتماس العظة من تجاربه القاسية التي مر هو بها، بجُمْع نفسه التي تبددت منها شعاعًا، وعاينها واستشعرها بجملة أحاسيسه ومشاعره، أقول إذا كان هذا شأنه، فهو عن التماس"العبرة"من تجارب الماضين أبعد، إذ لم يكن لأهوال الصراع العاتي على المسرح التاريخي في الماضي السحيق، وَقْعٌ على وجدانه، لأنه لم يشاهده، أو يشارك فيه، فلم تعانِ نفسه من آثار كوارثه وأرزائِهِ شيئًا، ولو كانت نفسه خيِّرةً بطبيعتها، غير مفطورة على شيء من الشر أصلًا، لا نبعث من ذات نفسه ما يوقظ وعيه لذاته، ولاستحضرت لمدارك حسه آثار تجاربه المُرَّة بما فيها من صنوف المحن والبلاء، وهي جزء من الابتلاء،"بل هي فتنةٌ"(72) : (فأصابهم سيئاتُ ما كسبوا(.