فهرس الكتاب
(73) ، ولانبثق من أغوار نفسه نور الحكمة ليبدد غواشي ظلمات الغفلة السادرة التي رانت على بصيرته، لقوله سبحانه: (إنها لا تَعْمِي الأبصار، ولكن تَعْمى القلوب التي في الصدور(، وقوله عزَّ وجلَّ: (ولكن أكثرهم لا يعلمون (( 74) ، ولكنها النفس الأمارة بالسوء صرفته عن التماس العبرة من المحنة التي كانت فتنة، وكيف تكون خيِّرةً بطبيعتها وهي"أمَّارةٌ بالسوء"بصريح النصِّ القرآني، قوية الإيحاء به، بارعة التزيين له، مسرفة الإغواء في الحمل عليه: (كذلك زُيِّنَ للمسرفين ماكانوا يعملون (( 75) ، وليس هذا من طبيعة الخير وخلاله في شيء، بل هو إلى أصل الشر أقرب، وبه أوثق.
يؤكد هذا، أن بعض الآي تصف الإنسان ـ وعلى وجه التأكيد ـ بأنه جحود لفضل ربه، كَنود لإحسانه إليه، في قوله تعالى: (إنَّ الإنسان لربه لكَنُود (( 76) ، ولا ريب أن كُفران النعمة صفة ذميمة لا تصدر عن طبيعة خيِّرةٍ أصلًا، بل تراه يأخذه الصلف، والكبر، والغرور، فيزعم أن النعمة تصيبه بجهدٍ نفسه دون أن يكون لها صلة بفضل ربه، تجد هذا في مثل قوله عزَّ وجلَّ: (فإذا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دعانا، ثم إذا خوَّلْناهُ نعمةً منا، قال إنما أُوتيتُهُ على علم، بل هي فتنة، ولكن أكثرهم لا يعلمون (( 77) .
فالإنسان ـ كما ترى ـ يعرف الله تعالى في الأزمة، ويجحد فضله في النعمة وغضارة العيش. هذا، ونفيُ العلم عن أمثال هؤلاء في تذييل الآية الكريمة التي تلونا، كناية عن الغفلة، وفقدان الوعي للذات، حين تستغرقها الشهوات، وتَرِينُ عليها الغواية والضلالة، ويتملكها الصلف والغرور.
د ـ الإمام الغزالي يصدر عن آراء متناقضة فيما يتعلق بتحديده لطبيعة الفطرة الإنسانية.