فهرس الكتاب
لا يستقيم بالإمام الغزالي النظرُ في صدد تحديده لطبيعة الفطرة الإنسانية، فتراه تارة يصفها بأنها:"مفطورة على الشر"وأخرى يراها خلقت وفي جِبِلَّتها"الاستعداد الفطري للخير والشر معًا"وطورًا يذهب إلى أنها"خَيِّرةٌ بطبيعتها" (78) والظاهر أن منشأ هذا التضارب عنده، هو اختلاف ما يعتري الإنسان من الحالات النفسية التي صوَّرتها ظواهر الآيات التي تلونا، لدواعٍ أو مؤثرات خارجية.
هـ ـ ابن خلدون يرى أن الفطرة الإنسانية قابلة للخير والشر في أصل جبلتها، ولكنها إلى خلال الخير أقرب.
ترى مذهبه هذا واضحًا في"المقدمة"حيث يقول في صَدَد تقريره لجدارة الإنسان بالمُلْكِ والسياسة:"لمَّا كان المُلْكُ طبيعيًا للإنسان، لما فيه من طبيعة الاجتماع كما قلنا، وكان الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشر، بأصل فطرته، وقوته الناطقة العاقلة، لأن الشر إنما جاء من قِبَلِ القوى الحيوانية فيه، وأما من حيث هو، فهو إلى الخير، وخلاله أقرب....". (79) .
3 ـ بعض أقطاب الفكر السياسي في الغرب يذهب إلى أن الإنسان شرير بطبيعته حافل بالنقائض.
هذا الرأي للفيلسوف السياسي (هوبز) وأغلب الظن أنه مستقى من بيئة معينة، ساد فيها ظلم الملوك في عصره، وشاع الفساد، وانعدمت فيها آثار الهداية الإلهية، فهذا الوضع إذن، له دواعيه وأسبابه، أو هو ثمرة لتجاربه الشخصية التي حددت وجهة نظره، وليس نتيجة طبيعيةً للدراسة الموضوعية للفطرة الإنسانية من حيث هي، يرشدك إلى هذا، تعميم وصفه وحكمه، حيث يقول (80) :"الإنسان كائن شرير"، حافل بالنقائض، جبان....". (81) . وواقع الحياة الإنسانية ينافي هذا التعميم."
و ـ موقفنا إزاء ظواهر الآي المتعارضة، واستخلاص مراد الشارع منها بالتوفيق بينها أصوليًا، وعلى ضوء من الروح العام للتشريع الإسلامي.