فهرس الكتاب
ينبغي أن نسترعي النظر ـ بادئ ذي بدء ـ إلى أن ثمة فرقًا جوهريًا بين الحالات النفسية العارضة التي تعتري الإنسان صدىً لعوامل خارجية مؤثرة، سواء أكان مصدرها البيئة الخاصة ـ ولاسيما في المراحل المبكرة للنشأة الأولى ـ أم العامة، وما يسود فيها من أعراف، وتقاليد موروثة متحكمة، أو ما يجري فيها من تيارات فكرية جارفة، وفلسفات اجتماعية، وسياسية وافدة ومتخالفة، أو ما يستقر فيها من تُرَّهات أو معتقدات بدائية، أو ما يتعاورها من موجهات دولية مضلِّلة تموج بها الوسائل الحديثة للإعلام، أم غير ذلك من المؤثرات الفعالة ذات الأصداء البعيدة المدى في توجيه القوى النفسية، ولاسيما لدى محدودي الثقافة، ناهيك عما يكون ثمة من أثر ناجم عن سوء استخدام الإنسان لملكاته، أو تعطيله أو إهماله لقواه النفسية، بحيث يُعقِبُ ذلك تخلفًا اجتماعيًا وسياسيًا وفكريًا، ونفسيًا، وروحيًا، من شأنه أن يُضعف أو يُعجز تلك القوى عن تأدية وظائفها التي من شأنها أن ترتقي بالإنسان إلى ما قُدِّرَ له أن يسمو، ولعل في قوله تعالى: (إن السمع، والبصر، والفؤاد، كلُّ أُولئك كان عنه مسؤولا (( 83) ما يشير إلى ذلك المعنى، وهي"مسؤولية"نراها منصبة أولًا على كيفية التصرف في هذه القوى ـ تنمية واستثمارًا ـ وفيم استخدمت ووظفت، وبِمَ نمِّيت، أو على التصرف إذا كان على النقيض من ذلك، والسمع والبصر والفؤاد هي منافذ العلم والمعرفة التي يتم بها إعلاء شأن"الذات الإنسانية"ونرى هذه"المسؤولية"متجهة أيضًا إلى الإنسان عن مدى صيانته لتلك القوى، والمحافظة عليها، أن تتسرب إلى أصالتها، وصفائها، طوارئُ الآفات المادية والمعنوية، وعوادي الفتنة، والإغواء، وعوامل إثارة الغرائز الدنيا، وبواعث الأهواء التي قد تبلغ حدًا من القوة والعنفوان بحيث تطغى على حكمة العقل، وتهيمن على إيحاءات الضمير الحي، مما يعكر عليهما صفوهما، ويَقْصُرُ من نفوذها، وَيَفُلُّ بالتالي من قوة