فهرس الكتاب
فالوثنية تيار عقائدي بدائي خرافي جارف، قد استغرق الجزيرة العربية كلها، أيام الجاهلية، وتحكَّم فيها، فكانت ـ بتعدد صورها المزرية، وبخرافاتها وتُرَّهاتها ـ عدوانًا خطيرًا على الفطرة، وليست عنصرًا نابعًا منها، بل كانت امتهانًا لها، وآفة بيئية قد شلَّت من طاقاتها، وقواها، فأركستها في عِمِّيَّةٍ جاهلية، فاقدة الوعي لكيانها وذاتها الإنسانية والحضارية، فأنستها بالتالي رسالتها ومهامها في هذا الوجود، ثم تملكتها ـ نتيجة لذلك ـ آفات الفرقة، والانقسامات، وحماقة العصبية الجاهلية الرعناء التي كانت تسري في كيانها روحًا، وفي دمائها سعيرًا سريان النار في الهشيم، حتى استنزفت دماءَها في احتراب ضار مستمر لا ينطفئ له أُوار، وقطَّعت عزيز أرحامها، فلم يعد بوسعها أن تدرك لها في هذا الوجود من معنى، حتى جاء الإسلام، فاجتثَّ الوثنية من أصولها أولًا، بعد محاربتها حربًا لا هوادة فيها، بصبر وجلد واستماتة، سنين طوالًا ـ باعتبارها آفة من أعظم آفات البشرية، بل منشأ مهانتها، وعلة تبديد طاقاتها ـ وردَّ العرب إلى أصول فطرتهم، بعقائده، وعباداته، وآدابه، وتشريعاته الملزمة، حيث أرسى بها أصول"وحدتهم"التي كانت مصدر عزتهم وقوتهم ومنعتهم، بل كانت تلك العقائد والعبادات، والآداب والتشريعات، مصدر إشعاع روحي وأخلاقي، وفكري، أيقظ فيهم وعيهم لذاتهم الإنسانية الحضارية بعد أن لم يكن لها تصور في مخيلتهم، ولا رسْم في نفوسهم، بل ولا شعور في أحاسيسهم، أشار إلى ذلك قوله تعالى ـ على سبيل المثال: (لو أنفقت مافي الأرض جميعًا ما ألَّفتَ بين قلوبهم، ولكن الله ألَّفَ بينهم(.(85) .