فهرس الكتاب
وأوحى إليهم أن مناط ذلك هو"الاعتصام بحبل الله، الذي جمعهم على قلب رجل واحد، لأول مرة في تاريخهم، وحذرهم أن يعودوا إلى مكانتهم الأولى من الانشقاق، والانقسام الذي أضعفهم أمام عدوهم، وذهب بقوتهم ومنعتهم": (ولا تنازعوا فتفشلوا، وتذهب ريحكم (( 86) ، كما وحَّدَ غايتهم في هذا الوجود، لتتحد وجهتهم إليها، وتستقطب سعيهم فيها، وليس أضرَّ على الأمة من أن تتفرق بها السبل، فيصبحوا طرائق قددًا، فكانت تلك التعاليم والأصول والتوجيهات هي التي أخرجت لنا أمة برهنت ـ واقعًا وعملًا ـ أنها خير أمة أُخرجت للناس، بما كان لها من"فاعلية"عجيبة في الواقع التاريخي، مصداقًا لقوله سبحانه: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله (( 87) ، ونوه القرآن الكريم بأكبر حدث تاريخي في حياة الأمة، إبان نزوله، وهو تحقيق هذه"الوحدة"فعلًا، فبلغت بها شأوًا في قوتها ومنعتها أن شملت الجزيرة كلها، الأمر الذي كان مستعصيًا على التحقيق قبل ذلك إلى حد الاستحالة، أثرًا لآفة الوثنية التي أنقذهم منها، وعصمهم من مُعقبِّاتها ـ ويُلحق بالوثنية ما كان على شاكلتها معنى وأثرًا ـ وامتن الله عليهم بذلك فيما تلونا آنفًا بقوله تعالى: (لو أنفقت مافي الأرض جميعًا ما ألَّفتَ بين قلوبهم ولكن الله ألفَّ بينهم (( 88) . ولذا أمرهم الله أمرًا جازمًا، بأن يلتزموا دائمًا ـ وعَبْرَ الأحقاب المتطاولة ـ بما كان سببًا في إنقاذهم أول مرة، مما كانوا فيه من الضياع، والشتات، والتمزق، والاحتراب، وتسافك الدماء، وتبديد الطاقات، ونسيان الذات، والتردي في مهاوي الضلالة، والجهل والغي، حيث يقول سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا (( 89) ، وقوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم (( 90) ، كما تلونا.