فهرس الكتاب

الصفحة 5066 من 23694

2 ـ من المؤكد أن القرآن الكريم، إذ يقابل:"الدين بالفطرة"، على أنه عينُها ـ أصالة وجوهرًا ومقتضيات ـ ويقرر صراحة أيضًا أنه لا تناقض بينهما، وأنه"الدين القيم"فالفطرة قيِّمة، وأنه"لا تبديل لخلق الله"، فلا تبديل لشرع الله، مما يوحي أيضًا، بأنه لا يجوز الخروج عن مقتضياتهما، ـ كما بينا ـ أقول: إن القرآن الكريم، إذ يعقد هذه المقابلة، ويؤكد تلك القضايا، ولوازمها المنطقية، فإنما يقصد إلى تبيين"وجه الحق"، في جوهر الفطرة الإنسانية"وإنها مفطورة أصلًا على الخير المحض، لتتم هذه المطابقة بينهما، وتتحقق إمكانية تنفيذ التكليف على الوجه الأكمل، بل تيسير هذا التنفيذ، ليكون في حدود السعة، إذ الدين خير كله، بلا ريب، ولا أصل للشر فيه، فكذلك الفطرة، ولو كان التناقض بينهما، على ما هو الشأن في الخير والشر، لما تأتَّى التكليف والتنفيذ والامتثال الطوعي، إذ لا يثبت الشيء مع ما ينافيه، لاستحالة اجتماعهما، فضلًا عن الامتزاج والائتلاف، هذا من حيث"المنطق العقلي"."

أما من حيث"المنطق الروحي والديني"، فإن تكييف الفطرة الإنسانية بكونها مجبولة على الشر ـ كليًا أو جزئيًا ـ أمر لا يتسق والروح العام للتشريع الإسلامي، من قِبَلِ أنه قائم أساسًا على"الحكمة البالغة"، لقوله سبحانه: (قل فلله الحجة البالغة(، والحجة قوامها الحكمة،(93) ، وعلى رحمته التي وسعت كل شيء: (ورحمتي وسعت كل شيء (( 94) : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(.(95) . وعلى عدله المطلق سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا، كونوا قوامين بالقسط شهداء لله، ولو على أنفسكم (( 96) ، فضلًا عن أنه جلَّ وعلا، منزه عن"النقائص"فكان من غير المتصور عقلًا وشرعًا، أن يفطر الجبلة الإنسانية على الشر المحض، أو أن يكون له ـ سبحانه ـ في الشرِّ غرض معقول أو مقصود!...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت