فهرس الكتاب
4 ـ إن إسباغ القرآن الكريم مثل هذه الأوصاف من النقائص على النفس الإنسانية، وعلى هذا النحو من المبالغة، لا يُغيِّر من حقيقة الفطرة التي برأ الله الناس عليها، ومن حيث أنها مفطورة أصلًا على"الخير المحض"، الذي لا مكان للشر فيه بإطلاق، على ما بيَّنا آنفًا، بل إن وصفها بالنقائص المبالغ فيها، ينطوي ـ في الوقت نفسه ـ على سر بلاغي يدركه ذوو الحس المرهف بما يتركه مثل هذا الأسلوب البياني من وقع على الوجدان، ومن أثر يوحي بحقيقة المعنى المراد القائم على التشبيه والمجاز بالدليل الصارف عن المعنى الحقيقي المتبادر من ظاهر اللفظ في أصل وضعه اللغوي، مما يجعل التوفيق ممكنًا بين الوصف الكاشف عن طبيعة الفطرة، وجوهرها من جهة، وبين الوصف الذي جاء في ظاهره مناقضًا، من جهة أخرى، ليدل على مايكون طارئًا على هذه الفطرة، وعدوانًا عليها، لعوامل أخرى مؤثرة، كما أسلفنا.
هذا، وبالنظر إلى كثرة وقوع مثل هذه النقائض، والإمعان فيها من جانب الإنسان عبر عنها بصيغة المبالغة مجازًا، حتى لكأنها فطرة متأصلة ـ كما ذكرنا ـ لا على أن تلك"النقائص"جزء من ماهية فطرته!...
5 ـ الملحظ الدقيق الذي التفت إليه الإمام الزمخشري في التنسيق بين الظواهر المتعارضة للنصوص، ينهض بالتوفيق بينها على نحو يؤكد الخيرية في الفطرة الإنسانية.