فهرس الكتاب
على أن إمكانية التوفيق الذي يرفع هذا التناقض الظاهري بين وصفها بالخير، ووصفها بالشر وخلاله في وقت معًا، تبدو في أن الوصف بالخيرية جاء على سبيل الحقيقة، بخلاف الآخر ـ وهو الوصف المتناقض ـ فقد جاء على سبيل المجاز المدعم بالدليل الصارف، وهو الملحظ الذي التفت إليه الإمام الزمخشري، وتفصيل ذلك: إن القرآن الكريم، إذ يتجه بهذا الأسلوب البياني بإسباغ أوصاف النقائض على الإنسان الذي أخذ نفسه بالإمعان فيها ـ وهي تنطوي على معنى الازدراء به بحيث تُشعره بالتعنيف البالغ على عكوفه على أسباب نقائصه، ودأبه على صدوره عنها، حتى لكأنه مفطور عليها ـ أقول: إن القرآن الكريم إذ يتخذ هذا الأسلوب في معالجة المسرفين في أمرهم، إيقاظًا لوعيهم لذوات أنفسهم، فذلك من أجل"تصوير الحقيقة الواقعية في المجتمع"تنفيرًا للإنسان من أن يستقر وضعه عليها، لما تفضي إليه من ضَعَةِ الشأن، ونسيان الذات، والغفلة المقيتة عن أداء مهامه التي كلفته بالنهوض بها رسالة الوجود الإنساني والحضاري، فكان"تصويرًا للأمر الواقع"وليس تحديدًا للحقيقة الفطرية التي تناقض ذلك الواقع المر، مما يستوجب اللفت إلى وجوب أن يتعهد الإنسان ملكاته ومواهبه وقواه النفسية التي تكوِّن في مجموعها"الذات الإنسانية"رفعًا لشأنها، وإعلاءً لقدرها، ولا يتم ذلك إلا بالإنماء والإرواء في ضوء توجيهات الكتاب العزيز ـ إقامة لها، لتستوي على سَمْتِ فطرتها الأصيلة، لا تريم عنها.