فهرس الكتاب
هذا، والحقيقة الواقعية المرة التي أشرنا إليها، مفادها: إن النفس الإنسانية إذا ما مَرَدَتْ على النقائض حتى صار ذلك دأبها، نتيجة لإهمال الإنسان تنمية قواها، واستثمارها في خيرها هي أولًا، استجابة لما تتطلع إليه من الارتقاء في معراج الكمال والمجد، أقول: إذا ما مَرَدَتِ النفس الإنسانية على المآثم والنقائض، تمكنت أصولها فيها، ورسخت، حتى غدت كأنها مجبولة عليها، لا على أنها فطرة أصيلة فيها، كما ظن بعض العلماء خطأً، أو أن خلال الشر أمرِ جِبِلِّيّ نابع من أغوارها، لتنطلق معبرة عن ذاتها، بل هو مجرد تشبيه أو مجاز ـ كما علمت ـ مما يؤكد أن ليس منشؤها النفس الإنسانية على التحقيق، بل هو انحراف من قبل الإنسان نفسه، بإيثاره لتلك النقائض والخلال الذميمة، أو"المآثم الكبرى"على خليقة الفضيلة، والمُثُل العليا، والقيم الإنسانية التي توحي بها، وتستشرفها"الحاسةُ الفطرية"في الإنسان نفسه، فضلًا عن توجيه الدين، وما كانت أساليب القرآن العظيم في هذه المعالجة إلا لرد الإنسان إلى أصيل فطرته التي برأه الله عليها، فكان الانحراف عنها أمرًا اختياريًا ـ كما ترى ـ بدليل توجيه"المسؤولية"عن ذلك بصريح النصوص، ضبطًا للموازين، وإقامة للمعايير إِبَّان التصرف في المَلَكَات العليا، والغرائز الدنيا على السواء، حتى هذه الأخيرة، (الغرائز) هي أيضًا خير محض بالنسبة إلى فطرة الإنسان ومطالبه، وحاجاته الفطرية، وأداء دوره ورسالته في هذا الوجود، إذا ما كبح جماحها، ونالت حظها من التوجيه، والترشيد، والتعبير عن ذاتها في طرقها المشروعة، ولا يتسع المقام هنا للتفصيل والاستدلال.