فهرس الكتاب
وعلى هذا، فإن خلال الشر أمر اختياري، وليس اضطراريًا بحكم الفطرة، بل عدوان عليها عمدًا، ـ كما بيَّنا ـ ولذا جاءت توجيهات القرآن الكريم لمعالجة هذه الحال، ردًا للإنسان إلى أصالة فطرته ـ كما نوهنا ـ وهو"الملحظ الدقيق الذي التفت إليه الإمام الزمخشري في تفسيره للآية الكريمة من قوله تعالى: (إن الإنسان خُلِقَ هَلوعًا(. تفسيرًا يصرف كلمة"خُلِقَ"عن معناها الأصلي، إلى المعنى المجازي، حيث جعل الإمعان في مقارفة الإثم، والعكوف على الأخذ بأسباب المعاصي، في منزلة الأمر المفطور عليه، للملازمة وعدم الانفكاك، تشبيهًا، والدليل النقلي على هذا الصرف والتأويل، مقابلة القرآن الكريم نفسه"الدين بالفطرةِ"، خيريةً، ونقاءً، وخلوصًا من أسباب الشر والمفسدة ـ كما قدمنا ـ وإلا لم يكن لهذه المقابلة من معنى تصح به!..."
ونظير هذا، قوله تعالى: (خُلِقَ الإنسانُ من عَجَلٍ(، والله يعلم أن الإنسان لم يُخلق منه، ولكن لما كان الإنسان عجولًا في عامة أمره، لا ينفك عن ذلك، عُدَّ كأنه مخلوق منه، على سبيل التجوز، لا الحقيقة، وهذا التفسير ـ وهو الحق ـ يؤصل ما انتهينا إليه من ـ"مبدأ خيرية الفطرة"ـ على ما سيأتي بيانه، وبذلك يتم التنسيق بين ظواهر الآي المتعارضة، حيث يقول ما نصه:"إن الإنسان لا يثاره الجزع والمَنْع، ولتمكنهما منه، ورسوخهما فيه، كأنه مجبول عليهما ومطبوع، وكأن ذلك الشح أو الجزء أمر خَلْقِي، وضروري، غير اختياري، كقوله تعالى: (خُلِقَ الإنسان من عجلٍ(.(102) ."