فهرس الكتاب

الصفحة 5093 من 23694

الذين كتبوا في سيرته ورصعوها ودونوها بسبك قصصي مشوق جعلوه يحب غلامًا وفتاة في وقت واحد، فجمعوا بذلك بين جنوح طبيعته إلى الشذوذ وجنوحها إلى الاستواء في الوقت نفسه، ولكنه استواء يقرب من الشذوذ أو قل إنه متلبس به لا ينفصل عنه، وهو شذوذ يغذوه المجون واللا مبالاة والانحراف، يعضده في ذلك ويمنحه الاستمرارية سكر دائم تحول إلى إدمان... وإن جملة الأخبار المروية عنه تؤدي إلى هذا التصور... إلى تصور إنسان عصبي بل مفرط في عصبيته، مدمن، محصور داخل ذاته، مغرق في أنانيته، في تدليل نفسه وإيثارها بالملذات، وربما كان بعيدًا كل البعد عن المشاعر الإنسانية التي يمكن أن يشارك غيره فيها، أو ينفتح فيها على ذلك الغير... حتى الندامى من الأصحاب والخلان لا نجدهم في شعره ولا سيرته... تفكيره أصم مغلق متجه اتجاهًا حديًا واحدًا نحو نفسه ولذاته الحسية المادية: نحو الغلام وورد والخمر... ولم تستطع الخمر ولا الحب أن يرقيا به إلى أي مستوى روحي... بل كانا مجرد وسيلة للمتعة التي تساعد على الغرق في الملذات وعلى الإغراق في المجون.

إنه مقيم في مدينة خاملة آنذاك... لم يفكر بالرحلة ولم يوسع آفاقه في عصر كانت بغداد فيه تعج بالحياة والازدهار والعلم والشعراء الكبار... وبكل ما تشتمل عليه حياة فتية وحضارة ناهضة... بل أقام في بلده على فقره وحاجته، علل بعضهم ذلك بأنفته من المديح، ولم يك أنوفًا ولا عزيزًا، إنه مدح بعض الأمراء التافهين جدًا بمقاييس ذلك الزمان... إنهم لا يعنون شيئًا إذا قيسوا إلى أمراء بغداد في ذلك الحين... بل إنهم شبه مسودات عنها... ومديحه لهم وقبوله لأعطياتهم أكبر دليل على أنه كان يكفيه الفتات في عصر الشعراء الكبار والأعطيات الهائلة والمكافآت الجزيلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت