فهرس الكتاب
وقالوا إنه مدحهم لأنه كان يحبهم لأنهم هاشميون، وكان هو فيما يقال ذا نزعة شيعية.... وليس هذا بالتعليل لأن العباسيين هاشميون أيضًا، أما كونه ذا نزعة شيعية فهذا أمر مشكوك فيه وليس عليه من دليل إلا مدحه لأولئك الأمراء... فإذا كان ديك الجن قد أخفق في أن يكون مسلمًا عاديًا فكيف يمكن أن يكون شيعيًا، والشيعية إسلام مع زيادة عليه تتمثل في الالتفات حول آل علي وحبهم والتشبه بهم و.... الخ، فإذا كان الرجل لا يشعر بأي حب للعرب، بل يصرح بحبه للفرس ويشيد بنسبه المختلف فيه، وأصله الذي لا أصل له... وإذا كان يهزأ بمعتقدات المسلمين ـ بما فيهم الشيعة ـ ويعلن تكذيبها في شعره، وفي سلوكه. فكيف يقال: إن لديه نزعة شيعية؟!...
عللوا ذلك بمراثيه للحسين بن علي و مدحه للهاشميين، وأرى أن ذلك ليس دليلًا لسبب بسيط: إن حب الحسين لا يمكن أن يقترن بالزندقة، لأن حب الحسين تشدد ديني إضافي ينبع من حب آل الرسول.... فإذا كان الأصل لدى ديك الجن معدومًا ـ الإسلام وحب العرب ـ فما الحاجة إلى الفراع؟ وتعليل رثائه للحسين هو أنه كان يتقرب بتلك المراثي إلى أولئك الذين كانوا يقدمون له المال وعندئذٍ يكون السبب اقتصاديًا بحتًا. وقد يكون الرجل من الناقمين على السلطة العباسية آنذاك ـ وهو شعوبي صارم ـ فلم يجد أمامه سبيلًا للمجاهرة بالعداء إلا رثاء الحسين ومديح آل علي الذين كانوا قذى في أجفان العباسيين وشوكة في جنوبهم، فمديحه ورثاؤه للإغاظة والاستجداء وليس حبًا ولا مروءة.
حاول أبو العلاء المعري أن يدافع عن عقيدة ديك الجن في عبارات مقتضبة فحواها أن زندقة ديك الجن ربما كانت لغوًا من اللغو، ومن قبل التكثر من الكلام الذي يوحي بالمجون دون أن يدل على الحقيقة المنعقدة في القلب (9) ، ولكننا نجد أبياته الجميلة المنسابة التي يعلن فيها عن نفسه وعن عقيدته أصدق دلالة على قلبه من أن تكون مجرد قول عابر:
هي الدنيا وقد نعموا بأخرى