فهرس الكتاب
ثالثة تلك الحقائق أن شعوبية ديك الجن ترشحه لمثل هذا الشك، وأنا هنا لا أريد أن أجعل منه فيلسوفًا متنورًا، وإنما هي بدوات النفس وأفكار العصر وجدت في نفس ديك الجن وفكره مرتعًا خصيبًا وانسجمت مع سلوكه ورقة نسبه وإحساسه بالهوان في مدينة تتعصب كلها لا للعرب فقط ولكن لليمنية منهم على وجه الخصوص حتى قيل: أذل من قيسي في حمص (15) ، هذا الهوان الذي ولد فخرًا أجوف لا يستند إلى أسس اجتماعية... فلم يكن أبوه غالب ولا جده صعصعة فبمن يفخر بأبيه رغبان وأهون به أبًا، أم بنسبه المنقطع بالولاء وأسقط به نسبًا؟لذلك لم يكن أمامه إلا الادعاء، ونموذج الادعاء حي ماثل، فليس إلا أن يقتبس ويقلد، ويسير على النهج اللاحب المطروق، فها هو بشار قبله عندما أعياه الفخر بالآباء والأجداد، وفاته النسب الرفيع يمم وجهه شطر كسرى فجعله عماد فخره وقبلة اعتزازه، ولم يحمل أحد فخر بشار على محمل الجد، بل كان فخره بليغًا في دلالته على عقد النقص المستحكمة، وكما سمى بشار الفرس بني الأحرار، وجعل نفسه ابنهم وسليلهم كذلك فعل ديك الجن فجعل نفسه حرًا ليس بالعربي، واستمع إلى بشار: ... عنِّي جميع العربِ
هل من رسول مخبر
من كان حيًا منهم ... ومن ثوى في الترب
بأنني ذو حسب ... عال على ذي الحسب
جدي الذي أسمو به ... كسرى وساسان أبي
وقيصر خالي إذا ... عددت يومًا نسبي
كم لي و كم لي من أب ... بتاجه متعصب
أنا ابن فرعي فارس ... عنها المحامي العصب
نحن ذوو التيجان والـ ... ـملك الأشم الأغلب (16) .
وقارن ما قاله بشار بما قاله ديك الجن فإنك ستجده ـ أي ديك الجن ـ يسير وراءه خطوة خطوة وعلى نهجه تمامًا، حذوك القذة بالقذّة (17) ، والنعل بالنعل (18) ، وإذا كان بشار شيخًا من شيوخ الشعوبية العتاد فديك الجن تلميذ شديد الإخلاص لمذهب شيخه: ... ولا أبي شافع عندي ولا نسبي
إني ببابك لاودي يقربني
إن كان عرفك مذخورًا لذي سبب ... فاضمم يديك على حر أخي سبب