فهرس الكتاب
أو كنت وافقته يومًا على نسب ... فاضمم يديك فإني لست بالعربي
إني امرؤٌ بازل في ذروتي شرف ... لقيصر ولكسرى محتدي وأبي (19) .
فهما في زعمهما مشتركان في نسب واحد عجيب، جمع بين الولاء لدولتين لم تتفقا يومًا في تاريخهما، ولم تهدأ حروبهما، ولم تتهادنا إلا على دخن، ومع ذلك فقد جمع بينهما ووحد شملهما كراهية بشار للعرب ثم كراهية ديك الجن من بعده للعرب حتى جعل ولاءه ونسبه في الدولتين اللتين لم يشبع العرب من الاعتزاز بإسقاطهما حتى يومنا هذا، فكأنه يجعل من نفسه رمزًا للتحدي وللبقاء والاستمرار... فلنصوّر الآن هذا الإنسان الذي يرثي الحسين بن علي سيد العرب، ويتباكى عليه، ثم يصرح بصفاقة ما بعدها صفاقة وبرقاعة عجيبة بقوله: فإني لست بالعربي... ولم يخسر العرب شيئًا ما بخروج ديك منهم، كما أن الفرس أو الروم لم يربحوا شيئًا ذا بال بانتسابه إليهم. ... عند الحفاظ ولا حوضي بمهدوم
والحق أن بشار أيضًا لم يكن مخترعًا أو مبتدئًا أو مجددًا بهذا الفخر بالفرس، إذ لاشك أنه ـ أي الفخر بالفرس ـ كان ظاهرة اجتماعية عبر عنها بشار كما عبر عنها من قبله في أيام هشام بن عبد الملك إسماعيل بن يسار في قصيدتين على الأقل مما وصلنا من شعره مما رواه أبو الفرج، بل إن إسماعيل صرح بذلك أمام هشام بن عبد الملك:
إني وجدِّك ما عودي بذي خور
أصلي كريم ومجدي لا يقاس به ... ولي لسان كحد السيف مسموم
أحمي به مجد أقوام ذوو حسب ... من كل قرم بتاج الملك معموم
جحاجح سادة بلج مرزابة ... جرد عتاق مساميح مطاعيم
من مثل كسرى وسابور الجنود معًا ... والهرمزان لفخر أو لتعظيم
أسد الكتائب يوم الروع إن زحفوا ... وهم أذلوا ملوك الترك والروم
يمشون في حلق الماذي سابغة ... مشي الضراغمة الأسد اللهاميم
هناك إن تسألي تنبي بأن لنا ... جرثومة قهرت عزّ الجراثيم (20) .