فهرس الكتاب
هنا، يجب أن نذكر على سبيل التذكير أن ديك الجن توفي عام ستة وثلاثين ومائتين أي بعد أبي تمام، كما أنه كان معاصرًا لأبي نواس وتوفي بعده، (24) ، نذكر هذا لأن فنه الشعري يجب أن يقاس بالنماذج العليا التي كان الفن الشعري قد بلغها آنذاك على أيدي سدنته الكبار فأين يقع فن ديك الجن قياسًا إلى نمو فن الشعر في عصره؟...
إذا أخذنا بعين الاعتبار الحادثة الأساسية في حياة ديك الجن والتي فجرت منابع الحزن والندم في نفسه وهي قتله لـ (ورد) فإننا نتوقع أن نجد شعرًا حارًا مفعمًا بالعواطف متسربلًا بالأحزان متشحًا بالزرقة، بالإضافة إلى صنعة شعرية حاذقة نسب إليها، أو نسبت إليه وصنف من أجلها في المدرسة الشامية (25) ، كما يحلو لبعضهم أن يسميها، فماذا نجد في الشعر الذي كان صدى وثمرة لهذه الحادثة؟...
لن نجد فيما وصلنا من شعره قصيدة طويلة حول هذه الحادثة، وإنما هي مقطوعات ونفثات تطول وتقصر، ويمكن أن نمر ببعضها محاولين تقييم شاعريته اعتمادًا على نصوصه، ولنأخذ أول مقطوعة تصادفنا فيما سمي بديوانه:
ليتني لم أكن لعطفك نلت
فالذي مني اشتملت عليه ... ألعارٍ ما قد عليه اشتملت
قال ذو الجهل: قد حلمت ولا ... أعلم أني حلمت حتى جهلت
لائم لي بجهله ولماذا ... أنا وحدي أحببت ثم قتلت
سوف آسى طول الحياة وأبكيك ... على ما فعلت لا ما فعلت (26) .
ما أحوج هذا النص في نظري إلى القول الشارح كما يقول المناطقة! وما أبعده عن عواطف الشعر! وما أشبهه بمعادلات المنطق العقلية! وما أبعده عن روائع الصنعة وتجلياتها وتداخل ألوانها وعمق ما اشتملت عليه لدى أبي تمام!... ... فظلت ألثم نحرًا زانه الجيد
إن عصبية ديك الجن ومزاجه وطبيعة حياته... هذه كلها أمور حرية أن تجعل شعره سمحًا متدفقًا ولاسيما والبواعث قوية ذاتية، فما بالنا نصطدم بمثل النص السابق وكأنه قطع البازلت التي تملأ ربوع حمص بل ولنأخذ نصًا آخر مناسبته أن ورد زارته في المنام بعد مقتلها فقال: