فهرس الكتاب
جاءت تزور فراشي بعدما قبرت
وقلت: قرة عيني قد بعثت لنا ... فكيف ذا وطريق القبر مسدود
قالت: هناك عظامي فيه مودعة ... تعيث فيها بنات الأرض والدود
وهذه الروح قد جاءتك زائرة ... هذي زيارة من في القبر ملحود (27) .
تأمل هذه العواطف المسطحة الخالية من أي عمق يقابل بها طيف ورد، وانظر إلى تلك الخرقة البالية التي رقع بها بيته الأخير والتي تدل على ضيق عطنه بالتعبير عن عواطفه وعلى سيطرة العقل لديه سيطرة جافة على عملية الشعر والإبداع... والنصَّان المتقدمان يخلوان من أي صورة تذكر بله الصورة الجميلة المؤثرة. ... أو أبتلي بعد الوصال بهجره
على أن شعره لا يخلو من بعض مقطوعات تشي برقة العاطفة التي تظهر على استحياء من خلال طبيعة يبدو أنها صلبة جافة متوحشة، لكن هذه المقطوعات لا تضعه إلى جانب الشعراء الكبار:
أشفقت أن يرد الزمان بغدره
قمر أنا استخرجته من دجنه ... لبليتي وجلوته من خدره
فقتلته وله علي كرامة ... ملء الحشا وله الفؤاد بأسره
عهدي به ميتًا كأحسن نائم ... والحزن يسفح عبرتي في نحره
لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي حلَّ بكى له في قبره
غصص تكاد تفيض منها نفسه ... وتكاد تخرج قلبه من صدره (28) .
فلعل التأثير العميق الذي خلفته الحادثة في نفسه كان أحيانًا ينفذ قادًا تلك الطبيعة الصلدة التي اتسم بها ديك الجن، مظهرًا صورة الإنسان الذي ما عرف إلا مستكنًا في أردية الصنعة وقد عريت من تلك الألبسة لتعبر عن حزنها بعفوية بعيدة نسبيًا عن قضايا المنطق، وبعيدة أيضًا عن محاولة اختراع الفكرة الجديدة والتعبير عنها كيفما اتفق وبعفوية محببة: ... وسترت وجهك بالتراب الأعفر
بأبي نبذتك بالعراء المقفر
بأبي بذلتك بعد صونك للبلى ... ورجعت عنك صبرت أم لم أصبر
لو كنت أقدر أن أرى أثر البلى ... لتركت وجهك ضاحيًا لم يقبر (29) .