فهرس الكتاب

الصفحة 5101 من 23694

وفي مثل هذه المقطوعات ـ وهي قليلة فيما وصل إلينا من شعره ـ يظهر الطبع الشعري لدى ديك الجن، وفيما عداها فالتكلف واضح. وقد علل أحد الدارسين المحدثين اضطراب استعمال ديك الجن للألفاظ وتعقيد أسلوبه باضطراب أعصابه ومداومته على السكر، ثم عدم تنقيحه لقصائده (30) ، ولا أظن هذه أسبابًا مقنعة لأن شعر شعراء كثيرين غير ديك الجن كان يجب أن يتسم بما اتسم به شعر ديك الجن لاتحاد السبب، فالأمر لا يعود لا إلى سكره، ولا إلى أعصابه، بل يعود ـ فيما أقدر ـ إلى أن طبيعة ديك الجن كانت غير سمحة بالشعر، شحيحة به إلا في أويقات ومقيطعات، وكان إذا هم بالشعر غالبًا ما ينقلب إلى ناظم لفكرة يحاول ابتكارها أو صياغتها من جديد في بضعة أبيات على الأقل، فأنت حينئذٍ معه في مقلع من مقالع الحجارة أو في ساعة تدريب على نظم الأفكار في أوزان، ورصف التشبيهات دون أن تحس وراءها بشيء... خذ هذه الأبيات مثلًا: ... وردة مسك على ثرى تبر

والخال في الخد إذ أشبهه

وحاجب منك خطه قلم الحسـ ... ـن بحجر البهاء لا الحبر

ما أصبر الشوق بي فأصبرنا ... من حسنت فيه قلة الصبر (31) .

فمن ناحية فنية نرى أن عناصر الصور في هذه الأبيات كلها معروفة ومعادة ومكررة، لم يأتِ بها ديك الجن في صياغة عاطفية حميمة تشعرك بأن في نفسه شيئًا ما، وإنما هو النظم المحكم الجاف، وموضوعه لا يحتمل الجفاف، إنه الغزل والنسيب الذي يؤدي فيه التصوير الفني وظيفة رفيعة وهي مساعدة اللغة لتعبر عن عواطف ومشاعر لا يمكن التعبير عنها على نحو مباشر، وقد لا تنهض اللغة وحدها ـ مجردة عن التصوير ـ بعبء ذلك، وهنا ديك الجن في تلك الأبيات لم يكتفِ بأن أتى بالصور القديمة بل خلع عليها من جموده وبرودته، فأتت وكأنها المجسمات الاصطناعية ليس لها إلا المنظر الخارجي. فإذا خطر له أن يصور انفعاله كما سيفعل في هذه الأبيات التالية فإنك لن تجد سوى ردود الفعل المتهافتة لدى هذا الشاعر: ... وبسمت عن متفتح النوار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت