فهرس الكتاب
وعلى الرغم من أن سوفاجيه يؤكد أن لحلب ماضيًا طويلًا قبل أن تدخل التاريخ، وأن آثار التجمع السكاني الأول لأهل حلب يجب أن يفتش عنه في تل العقبة الذي يقوم على حافة وادي قويق، فإن سوفاجيه ينفي بتعصب غريب للحضارة الهيلينستية أي أثر لما قبل أو بعد هذه الفترة: يقول: (إن حلب لم تحتفظ بشيء من حضارات العصور العظيمة الآسيوية، أو أنها احتفظت على الأقل بأشياء بسيطة مثل اسمها، ولا شيء غير ذلك) .
أما العهود التي تلت"الزمن اليوناني"، أي الإسلام، فإنها لم تقدم شيئًا حضاريًا لهذه المدينة. يقول: (إن الإسلام في تاريخ حلب الطويل لم يكن إلا حادثًا عرضيًا) ... ويبلغ به التعصب والتحامل أقصاهما حين يقول: (إن العصر الإسلامي لم يقم بأي إسهام إيجابي، إنه سارع في انحطاط هذه المدينة... إن العصر الإسلامي لم يفعل شيئًا سوى تفكيك كل ما كان حتى ذلك الوقت مبنيًا بصورة متجانسة) .
من الغريب أن يسوق التعصب سوفاجيه إلى تجاهل تأثير الحقب الطويلة العربية والإسلامية الممتدة إلى اليوم، وإلى رد النظام المعماري في المدينة إلى الإطار المادي للحضارة الهيلينستية والرومانية، يقول: (فليست أجهزة التجمع السكاني العربي المسلم الحياتية إلا نسخًا للأجهزة الحياتية للمدينة الهيلينستية، وهكذا يكون إنشاء مدينة Beree وكأنه الحدث الرئيسي في تاريخ حلب) .
لكن ما جاء به سوفاجية لا يلبث أن يتداعى أمام الفرضيات الأكثر صحة، والآثار، والواقع الذي لا يمكن تجاهله. فليس ثمة ما يؤكد أن تل العقبة هو مكان التجمع الأول للحلبيين، والفرضية الأكثر قبولًا وصحة هي أن المغائر في حلب هي الموقع الأول لسكناهم، بل لسكنى الإنسان الحلبي في العصر الحجري. وفي حلب حي خاص يعرف بالمغاير لكثرة المغاور فيه. وهذه المغاور المنتشرة في تلة السودا"المغارة الجديدة"، والمعادي، والخناقية"السريان"و"الشيخومير، وسراديب القلعة... ربما كانت متصلة مع بعضها."