فهرس الكتاب
إن أول ذكر لحلب ـ نعرفه حتى الآن ـ كان قبل الفتح الحثي بـ380 سنة، أي نحو 2200 ق.م. وذلك في لوحات ماري، وفيها نجد أن تجارًا ماريين ساروا إلى كركميش"جرابلس"ومنها إلى حلب فأوغاريت"رأس شمرا"، فكانس في الأناضول، وذلك يعني أن حلب في هذه الفترة كانت مركزًا تجاريًا عامرًا، ومما لاشك فيه أن وجودها يرجع إلى أبعد من ذلك.
وهذا يؤكد أن مدينة حلب نشأت سامية، ونحن اليوم في انتظار أن تقرأ لوحات ايبلا لعلها تلقي ضوءًا أقوى على نشأة حلب.
هكذا تغرق حكاية حلب ونشأتها الأولى في دياجير ماقبل التاريخ.
لقد دثرت أترابها: بابل وماري وأوغاريت وإيبلا، ودثرت مدن بنيت بعدها... وبقيت حلب وحدها تمد جذورها في ليل الزمن، وترفع رأسها نحو الشمس في كل صباح.
أخنى الزمان على لداتها، وما تزال الدماء تجري في عروقها، والحياة في أماسيها، عصية على النكبات والخطوب، منيعة على الغزاة والطغاة.
ـ 2 ـ
وكما تغرق حلب في ليل الزمن فإنها تغرق في ليل اللغة. ولا بد قبل التعرض إلى تحليل كلمة حلب أن نستعرض أسماءها الأخرى التي عرفت بها، ولم يبق منها غير الشهباء تقرن غالبًا بالاسم الأصلي"حلب"، فيقال: حلب الشهباء.
"الشهباء"وصف انتقل على مر الزمن من الوصفية إلى العلمية، مثل ورقاء يطلق على الحمامة، وحلب معروفة بأرضها الحوارية وحجارتها الكلسية البيضاء. والشَّهب بياض يصدعه سواد، ويقول ابن شداد: إنها توصف بالشهباء والبيضاء، ومثل ذلك يقول صاحب معجم البلدان لكن أحدًا لم يستعمل الصفة ا لثانية، ولربما كانت مجرد توسع في الوصف.
وتل القلعة حواري أشهب، وعليه تقوم القلعة، ويرى ابن جبير أن أول ما لقب بالشهباء هو القلعة، ثم انتقل الوصف إلى حلب من قبيل إطلاق الجزء على الكل.