فهرس الكتاب

الصفحة 5195 من 23694

إن دور العرب في تطور العلوم قد لاقى كثيرًا من التجاهل والإهمال، بل والمعاداة من قبل عدد كبير من مؤرخي العلوم في المعاهد الأوروبية المختصة (11) ، ولقد روج عدد كبير من مؤرخي الطب مقولة مؤداها أن الطب بدأ عند الإغريق (12) ، وإنه عرف عصرًا مزدهرًا بأيام جالينوس، ثم خبا نوره لفترة طويلة تشمل العصور الوسطى المظلمة، وعاد بعد ذلك إلى الظهور مع فجر عصر النهضة الأوروبية، فالطب عندهم أوروبي منذ البداية وحتى الآن، وحاشا أن يكون غير ذلك! وإذا كان لغير الأوروبيين من فضل جدير بالذكر، فهو أن العرب على سبيل المثال في عصرهم الذهبي، تعرفوا على الطب الإغريقي ونقلوا بعض تراثه، وحافظوا عليه جزئيًا، دون أن يضيفوا إليه شيئًا هامًا، إلى أن استيقظت أوروبا من رقاد العصور الوسطى، فاستعادت المشعل الذي أوقده الإغريق: أخذت الطب العربي الذي هو في (واقع الأمر!) .. طب يوناني مكتوب باللغة العربية، ثم فتشت بنفسها عن المصادر الإغريقية، ونهلت من النبع، نقلت الطب اليوناني مباشرة إلى أوروبا الناهضة، واستغنت بذلك عن التراث الطبي المكتوب بالعربية.

هذه هي"الفكرة الرائجة"، عند معظم (علماء!) .. أوروبا. وإذا استثنينا بعض السادة الأفاضل (13) الذين أخلصوا لمهنتهم وأراحوا وجدانهم العلمي، وسموا بآرائهم إلى المستوى اللائق بالعلماء فسووا بين جميع الأمم من حيث قدرة الإنسان على استعمال عقله، فإن غالبية المشتغلين بتاريخ العلوم كانوا قد ارتاحوا إلى هذه الفكرة الرائجة وجعلوا منها قناعة ترضي كبرياءهم العنصري، وتدغدغ شعورهم بتفوق"العرق"الأوروبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت