فهرس الكتاب

الصفحة 5229 من 23694

وقد أدرك هذه الحقيقة علماؤنا الأوائل، فاتخذوا في تدوينهم للغة العرب واستقراء قواعدها منهجًا وصفيًا، فخالطوا الأعراب، ورحلوا إلى البادية، ودونوا الشعر والخطب والأمثال، فلما تم لهم ذلك جعلوا من كلام العرب وشعرهم وقرآنهم مادة يستقرئون منها موازين اللغة وطرق اشتقاقها ونظام جملتها وأساليب كلامها. ولأنهم أدركوا أن اللغة ظاهرة اجتماعية فإنهم استنبطوا قواعدهم وأحكامهم مما كثر في كلام العرب وغلب على أساليبهم. ولم تكن تلك القواعد جامعة مانعة فاللغة لا تحكمها قوانين العقل والمنطق، بل نبض الحياة، ولا تسعها دروج الكتب بل رحابة المجتمع. لذلك خرج علماء العربية بالقاعدة الشهيرة التي تقول:"لكل قاعدة شواذ"، ولأن الشعر يأتي من شواطئ عميقة في النفس الإنسانية خرجوا بما أسموه الضرورة الشعرية، فقالوا يجوز في الشعر ما لا يجوز في النثر.

وقد يقول قائل إن كثيرًا من علماء العربية قالوا بتوقيفية اللغة وأنها نزلت كاملة من السماء، فأين هذا مما نذهب إليه؟... ولعله لا يعنينا ما قاله بعضهم في فلسفة اللغة قدر ما يعنينا ما فعلوه في جمعها ودراستها واستقراء قواعدها.

ونعمد في هذه المقالة إلى طريقة الأوائل في دراسة اللغة فنأخذ ديوان شاعر جاهلي هو امرؤ القيس، ونقوم بدراسة وصفية لظاهرة لغوية في شعره، هي"المطابقة"، فنتبين تلك الظاهرة في شعر الشاعر، وكيف استنبط اللغويون قواعدها وأحكامها.

وقد رأى النحاة أن الخبر يطابق المبتدأ، والفعل يطابق الفاعل، والحال تطابق صاحبها، إلى غير ذلك. والأبيات التي روعيت فيها المطابقة كثيرة كثرة بالغة في الديوان لا فائدة كبيرة من ذكرها، وإنما نقتصر في حديثنا على الحالات التي أهملت فيها المطابقة، والحالات التي تحتاج إلى إيضاح أو تذكير. ونبدأ بالمطابقة بين المبتدأ والخبر:

*المطابقة بين المبتدأ والخبر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت