فهرس الكتاب

الصفحة 5251 من 23694

إذا كانت صورة الجن غامضة في الشعر الجاهلي، فإن مقدرتهم الفائقة تبدو جلية واضحة. فإذا أرادوا وصف الفرسان بالقوة الشديدة، والشجاعة الباسلة فإنهم يشبهونهم بالجن، مما يدل على تصورهم الجن ذوي مقدرة عظيمة وقوة هائلة. ففضلًا عن الأبيات السابقة فإن النابغة الذبياني يشبه الفرسان الأشداء بجن على ظهور الخيل (18) :

جنٌ عليها مساعيرٌ لحربهم

ويقول أيضًا في صورة مماثلة (19) : ... عليها معشر أشباه جنّ

وضُمرٍ كالقداح مسومات

والجن في مقدرتهم أن يبنوا البناء المؤلف من أعمدة كبيرة وحجارة ضخمة، يعجز البشر عن حملها أو جلبها من أمكنتها. لذلك نسب كثير من العرب الجاهليين بناء مدينة تدمر إلى الجن، ويؤكد النابغة هذه النسبة في قوله مادحًا النعمان بن المنذر (20) : ... وما أحاشي من الأقوامِ من أحدِ

ولا أرى فاعلًا في الناس يشبهه

إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحدوها عن الفَنَدِ

وخيِّس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد

لقد اعتقد العرب الجاهليون أن الجن يسخرون تلك المقدرة الخارقة في أمرين هما: الخير والشر. ... وثابوا إلينا من فصيح وأعجم

*قوى الخير وشياطين الشعراء:

إن الجن قد ينفعون الناس إما ردًا على جميل صنع لهم، وإما إذا كانوا ممتلكين لموهبة الشعر فإنهم حينذاك يلازمون شعراء معينين، يلهمونهم النظم ويوحون إليهم بالجيد من القول.

ففي تصور الجاهليين أن بعض أماكن الجن تمتلئ بالرزق الوفير، فهي بحسب قول الجاحظ:"من أخصب البلاد وأكثرها شجرًا وأطيبها ثمرًا، وأكثرها حَبًا وعنبًا، وأكثرها نخلًا وموزًا" (21) . والعرب الذين يسكنون قرب تلك الأماكن، ولا يكون بينهم وبين الجِنَّة عداء، فإنهم ينعمون بتلك الخيرات وتطيب لهم الحياة وتقر أعينهم بذلك الجوار (22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت