فهرس الكتاب

الصفحة 5252 من 23694

وإذا أعان أحد العرب جنيًا من غير أن يشعر، فإن هذا الجني لا ينسى المعروف، وإنما سيظل منتظرًا فرصة يكون فيها العربي محتاجًا إلى المساعدة عند ذاك يقدم له العون ويجزيه خير الجزاء (23) .

ومن المعروف أن اليونانيين القدماء كانت لهم آلهات للشعر، يستلهمونهم قصائدهم ويتغنون بما تمنحهم من صور جميلة وأخيلة مبتكرة. وكذلك كان شأن الشعراء الجاهليين إذ كانوا يدعون أنهم يتلقون الشعر من كائنات تتمتع بمزايا خارقة، لكنهم لم يجعلوها آلهات أو ربات، وإنما تخيلوها شياطين من الجن. فكانوا:"يزعمون أن مع كل فحل من الشعراء شيطانًا، يقول ذلك الفحل على لسانه الشعر". (24) .

فمن ذلك ماكان يدعيه الأعشى من أن له جنيًا اسمه مِسحَل، يلازمه ويلقي على لسانه الشعر، فينتصر به على الخصوم والأعداء، ويفحم به الشعراء الهجائين. وقد صور ذلك في قوله يهجو قومًا استعانوا عليه بشاعر يدعى جهنَّام، فاستعان عليهم بشيطانه: (25) :

فلما رأيت الناس للشر أقبلوا

دعوت خليلي مسحلا ودعوا له ... جهنَّام جدعًا للهجين المذمم

حباني أخي الجني نفسي فداؤه ... بأفيح جياش العشيات خضرم

فقال ألا فانزل على المجد سابقًا ... لك الخير قلِّدْ إذا سبقت وأنعم

وقد ذكره في موضع آخر من شعره، وأشار إلى أنه خليل يلازمه دائمًا، وأنه شيطان شعر يعينه على إجادة الشعر والنبوغ فيه (26) : ... إذا مسحلٌ سدَّى لي القول أنطق

وما كنت شاحردًا ولكن حسبتني

شريكان فيما بيننا من هوادة ... صفيان: جني وانس موفق

يقول، فلا أعيا لشيء أقوله ... كفاني لا عيٌ ولا هو أخرقِ

وكان حسان بن ثابت يزعم أيضًا أن له جنيًا يلهمه الشعر، ويوشيه أحسن الوشي، ويجوده فيظفر به على الشعراء (27) : ... بل لا يوافق شعرهم شعري

لا أسرق الشعراء ما نطقوا

أني أبى لي ذلكم حسبي ... ومقالة كمقاطع الصخر

وأخي من الجن البصير إذا ... حال الكلام بأحسن الحبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت