فهرس الكتاب
ولكون الشعر ديوان العرب، حصلت ضجة في الثلاثينات من هذا القرن عندما حاول الأديب طه حسين أن يهز هذه القدسية (ربما تحت تأثير المستشرقين"الفرت"و"مرغوليوث") حيث طرح أفكاره في كتابه الشهير (في الشعر الجاهلي) (1) . وبطبيعة الحال كان أول من عارض ذلك بانفعال شديد هم رجال الدين. ويشير طه حسين في هذا الكتاب، الذي غير بعد هذه الضجة عنوانه ومحتوياته إلى حد ما، عندما يتحدث عن الشعر الجاهلي كمعيار لقمة الشعر، قائلًا: فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية. فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى"طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم" (2) .
ولكن الباحث الكبير ابن خلدون، الذي سبقه بعدة قرون، كان قد أشار إلى ذات الفكرة قائلًا أن العرب يتعصبون لشعرهم دون أن يلتفتوا إلى القدرة الشعرية عند الشعوب الأخرى، وإن الإغريق يمكنهم كذلك أن يفتخروا بشعرهم (3) . ويحق لنا أن نسأل: ما الأسباب التي دفعت العرب أن يجعلوا شعرهم البدائي معيارًا على مر العصور، رغم ظهور شعر الموشح والزجل في الأندلس والبند في العراق ورغم الحقيقة الماثلة وهي ظهور الشعر الحر منذ بداية الخمسينات (لا نريد الخوض في هذا المجال) (4) ؟...