فهرس الكتاب
ومن الممكن أن نجيب بأن شكل القصيدة الجاهلية هو السبب الأول والرئيسي في الرجوع المستمر إلى هذا الشعر. حيث أن هذه القصيدة تمثل منطلقًا فنيًا ذا تكوين عال ثم إن لغتها ما زالت تداعب الأحاسيس برقة وتفرض الإعجاب بشتى معانيها وقوة أفكارها التي تعكس قوة العقول في ذلك العصر. وهذه القصيدة، من جهة أخرى باستثناء روحها الفردية ما زالت تمتلك وعيها الاجتماعي، لذا يمكننا أن ندعو هذه القصيدة بأنها قصيدة ذات خصائص ملحمية، وجدانية. أي أنها تمثل شكلًا ممزوجًا. إن ارتباط العرب بلغتهم كوسيلة رمزية، نراه متطبعًا في تسمية أشهر القصائد الجاهلية، كما هو في المعلقات، التي استند عليها المستشرق الفرنسي (شال بيلا) في إطلاق صفة صانعي الجواهر على الشعراء الأقدمين، بينما أنا أعتقد بأن القصة الأخرى حول تسمية المعلقات أكثر أهمية ومتعة لأنها تشير إلى ثقافة العصر الجاهلي وإلى عادات الأعراب، حيث نجد فيها عناصر ميثولوجية أسطورية من خلال استعمال أرقام المعلقات السبع أو التسع. ومن تعليق هذه القصائد على باب الكعبة التي كانت مكانًا دينيًا وسحريًا قبل مجيء الإسلام، يبدو لنا أن تلك القصائد كان لها دور ساحر في حياة ذلك المجتمع، إذ أن العلاقة بين الشاعر والطبيعة في عموم الشعر البدائي، علاقة وطيدة وشديدة الصلة. حيث أننا نرى كذلك في الشعر البدوي تلك العلاقة الأصيلة نرى شدة ارتباط البدوي ببيئته واندهاشه بما يحيط به، لذا يستخدم الشاعر وصفًا دقيقًا قوي التعبير لما يراه ويعيشه (انظر مثلًا وصف العاصفة، عند امرئ القيس) ، ويدل على قوة هذه العلاقة وتوطدها أنها تركت آثار الأفكار الأسطورية المثيولوجية والتوتمية (5) .