فهرس الكتاب
بالرغم من مجيء الإسلام الذي حاول مسح تلك الآثار من أجل توحيد الناس لعبادة إله واحد (لن نستخدم تعبير الإسلام"المتزمت"الذي أصبح منتشرًا في أوربا، إذ أن له معنى خطيرًا يحاول أصحاب هذا التعبير من ورائه الحط من شأن الحضارة الإسلامية) ، لقد كان لحياة البدوي، ومجمل إبداعاته وأصالة الشعراء الأوائل ـ الذين يعدون مؤسسي الثقافة العربية القديمة أو ثقافة القبائل ـ تأثير كبير في تاريخ العرب حتى أن الإسلام لم يستطع اجتناب هذه الحقيقة، يمكننا الاعتماد على ما يقوله الأديب طه حسين من"أن القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية". (6) .
وحتى يكون بوسع الباحث أن يقدم صورة كاملة ودقيقة عن ذلك العالم، يجب عليه أن يكون مولعًا بكل جوانب هذا الموضوع إذ إن الشعر الجاهلي الذي يتميز ببساطته وروحيته الطبيعية قد وضع ركائز لثقافة جديدة متطورة. بطبيعة الحال لا يتسع هنا المجال لتحليل هذه الجوانب بأسرها ولذا سنلفت الانتباه إلى بعض الحقائق الثقافية التي ربما ساعدتنا على تكوين انطباع مستفز عن ذلك. مثلًا لنأخذ عبادة الشمس، والقمر التي لها أهميتها ـ حسب رأيي ـ في تكوين الثقافة البدوية والجاهلية بشكل عام، نجد ذلك الأثر في جميع الثقافات البدائية تقريبًا مع أننا نستطيع تتبع تينك العبادتين في الثقافة العربية الإسلامية على أساس تطورهما وصراعهما من أجل تغلب إحداهما على الأخرى. إذ إن هذا الصراع كان قد ترك أثرًا مهمًا في سير الحضارة العربية والإسلامية بشكل عام. ويبدو لي أن هذا الصراع لا يظهر فقط في صراع الطرفين، أي العقيدتين، بل يشير بشكل واضح إلى محاولة تكوين الشعور القومي عند البدوي على أساس انتمائه القبلي.