فهرس الكتاب
وربما لن ندرك طول فترة ذلك الصراع إن لم نتوغل في هذا الموضوع أن هذين الطرفين يتميزان حتى جغرافيًا. في الشمال العدنانيون وفي الجنوب القحطانيون الذين يمتلكون، دون ريب، حضارة أقدم. وكل من هذين الطرفين يتمثل في ثقافة خاصة تحمل شعارها الخاص ـ القمر (علامة الأنوثة) والشمس (علامة الرجولة) ، بعض الأحيان لا نستطيع أن نضع حدودًا فاصلة بين حاملي هذين الشعارين لأنهما أحيانًا يعيشان في اندماج وتنسيق في البيئة والمجتمع. ويدل على ذلك أن اليمنيين قد سبقوا في وضع التقويم القمري والمصريين القدامى (والأعراب بعد ذلك اشتركوا في تكوين جنسيتهم بالفعل) ، جاؤوا بالتقويم الشمسي. غير أن الصراع يستمر بين الشمس والقمر، أي بين ثقافة البدو (القمر) وثقافة الحضر (الشمس) ، ونتلمس آثار ذلك في العصر الأموي، ويتبين لنا أن هذا الصراع قد تلاشى في العصر العباسي بغلبة ثقافة البدو عقائديًا كما يبدو لنا في القرن العاشر، بعد هزيمة حركة الشعوبية. ومع أن هذه الثقافة تبدو بسيطة، ساذجة بل بدائية، فإنها تخفي في طياتها حسا ًمرهفًا وقيمًا جمالية. ويخيل إلينا كذلك أن هذا الانتصار تحقق خاصة أن طريق سمو الأدب البدوي ـ بشكل عام ـ ولذا يمكننا القول أن القمر البدوي تغلب على ثقافة الشمس على صعيد الأدب. بينما هناك انتصارات حققتها ثقافة الشمس، مثلًا في القرنين الثامن والتاسع، وكأن الإسلام هدنة بين الثقافتين المتنازعتين أوقف ـ ولو مؤقتًا ـ الصراع ولكن بدون نتيجة.