فهرس الكتاب

الصفحة 5289 من 23694

وينعكس التوتر بين نموذج الثقافتين (البدوية والحضرية) ، انعكاسًا لامعًا حتى في الأبجدية العربية، حيث نجد فيها الحروف القمرية والشمسية، وكأن تقسيم هذه الأبجدية يشير إلى أن التوازن الثقافي أمر متوقع لأن هناك أربعة عشر حرفًا شمسيًا مقابل أربعة عشر حرفًا قمريًا، وبذلك أخذ هذا الصراع كثيرًا من حيوية الحضارة الإسلامية والبدوية من قبلها مع أننا شخصيًا نرى أن في هذا الصراع (الدائم) بذرة تحرك الثقافة العربية من حين لآخر وقدرة شديدة على إمكانية تحريك هذه الحضارة على الدوام ومن جديد (7) . ولو غصنا بعمق في الدوافع الإبداعية للثقافة البدوية لأمكننا الاستنتاج أن في الشعر البدوي حافزًا حضاريًا هامًا قد يستطيع أن ينتج ـ في ظروف اجتماعية وتاريخية مناسبة (8) ـ ثقافة أخرى أكثر إبداعًا حتى من هذه الثقافة التي جاء بها الأدب العباسي في عصره الذهبي وإن هذا الحافز هو صنف من الأصناف الجمالية: الإلهام.

وبطبيعة الحال لا يمكننا أن نناقش مثل هذا الصنف، وفي تلك الفترة، بل يمكننا الخوض بهذا الشيء بعد ظهور نظرية الشعر عند العرب. ولذا سنورد في هذا المجال فكرة نظرية واحدة فقط تتحدث عن هذا الشيء نجد مصدرها في القرون الوسطى. يضمها كتاب العقد الفريد المشهور لمحمد بن عبد ربه (القرن العاشر) وتحكي هذه القصة أن رجلًا كاتبًا توسل إليه أحد أصحابه أن يكتب رسالة باسمه، وعندما أخذ الكاتب قلمه توقف هنيهة. فسأله صاحبه عن سبب توقفه ظنًا منه أنه فقد بلاغته، ولكن الكاتب لم يومئ برأسه بل أجاب أنه يبحث في باله عن أفضل المعاني لكتابة الرسالة (9) . ويجب علينا أن نعلم بأن الإلهام لم يكن يعني شيئًا ـ حتى بالنسبة لشعراء الجاهلية ـ دون الاعتماد على الجهد الإبداعي الأصيل وعلاقات الشاعر بأعماله الشعرية علاقة وطيدة جادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت